الهدى – متابعات ..
في قاعات الدراسة وبين دفاتر الملاحظات وهدوء المكتبات، يخوض آلاف الطلبة معركة يومية من أجل تحقيق النجاح الدراسي، غير أن هذا النجاح الذي يعد حلماً مشروعاً لكل طالب غالباً ما يكون مصحوباً بضغط نفسي متزايد قد يتحول أحياناً إلى عبء ثقيل يؤثر في الصحة النفسية والجسدية.
ويقول الطالب الجامعي أحمد مازن، إن النجاح لم يعد مجرد اجتهاد بل أصبح سباقاً مع الوقت والتوقعات العالية من الأسرة والمجتمع، لافتاً إلى أن التنافس الشديد وكثرة الامتحانات والخوف من الفشل كلها عوامل تسهم في رفع مستويات التوتر والقلق لدى الطلبة.
الأسرة بين الدعم وتعميق الأزمة
وتلعب الأسرة دوراً محورياً في تخفيف أو زيادة هذا الضغط، فبينما يساعد الدعم النفسي والتشجيع الإيجابي الطالب على تحقيق التوازن بين الدراسة وحياته الشخصية، تؤدي المقارنات المستمرة والتوقعات المبالغ فيها إلى نتائج عكسية تماماً.
وفي هذا السياق، تؤكد فاطمة كريم وهي أم لثلاثة أبناء حرصها على تنظيم وقت أبنائها بين الدراسة والراحة والابتعاد عن أسلوب الضغط أو التهديد، إيماناً منها بأن الشعور بالأمان والدعم يساعدهم على تحقيق أفضل النتائج الممكنة.
قانون يفسر العلاقة بين الضغط والأداء
وتؤكد المختصة النفسية الدكتورة بتول عيسى، أن العلاقة بين الضغط والأداء الأكاديمي ليست علاقة سلبية مطلقة بل تخضع لمستوى هذا الضغط وطريقة التعامل معه، حيث تشير الدراسات النفسية إلى أن الضغط المعتدل قد يكون عاملاً محفزاً يساعد الطالب على التركيز وتنظيم الجهد بينما يؤدي الضغط المفرط إلى نتائج عكسية تتمثل في القلق وضعف التركيز وتراجع المستوى الدراسي.
وتوضح عيسى، أن هذا المفهوم يُعرف في علم النفس بقانون “يركس– دودسون” الذي يؤكد أن أفضل مستويات الأداء تتحقق عند وجود مستوى متوسط من الضغط، بينما يؤدي ارتفاعه أو انخفاضه بشكل كبير إلى ضعف الإنجاز الأكاديمي.
اختلاف الضغوط عبر المراحل الدراسية
وتشير الدكتورة عيسى، إلى أن مصادر الضغط النفسي تختلف باختلاف المراحل الدراسية، إذ يعاني تلاميذ المرحلة الابتدائية من صعوبة التكيف مع البيئة المدرسية والخوف من المعلم وكثرة الواجبات، بينما يواجه طلبة المرحلة المتوسطة ضغوط المقارنة مع الزملاء والتنمر والرغبة في إثبات الذات.
أما طلبة المرحلة الإعدادية فيتعرضون، بحسب الدكتورة، لضغط الامتحانات المصيرية واختيار التخصص والقلق من المستقبل، في حين تتركز ضغوط المرحلة الجامعية على عبء المناهج والاستقلالية والضغوط المادية، مع التأكيد على أن التوقعات الأسرية المبالغ فيها قد تولّد خوفاً دائماً من الفشل يضع الطالب تحت ضغط مستمر.
علامات الخطر وتأثير الكورتيزول
ويمكن ملاحظة الضغط النفسي المفرط من خلال مجموعة من العلامات النفسية والسلوكية والجسدية مثل القلق والاكتئاب ونوبات البكاء إلى جانب الانسحاب الاجتماعي والعصبية والتسويف، فضلاً عن الصداع واضطرابات النوم وآلام المعدة.
وتنبه عيسى إلى أن القلق الشديد يؤدي إلى ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم مما ينعكس سلباً على الذاكرة والتركيز ويتسبب في حالة “تفريغ الذهن” أثناء الامتحانات حتى لدى الطلبة المستعدين جيداً، وهو ما يستدعي تحقيق توازن صحي بين الطموح الدراسي والصحة النفسية من خلال وضع أهداف واقعية وأخذ فترات راحة منتظمة وممارسة الرياضة.
إدارة الوقت وسلاح المقارنة
وشددت المختصة النفسية على أهمية إدارة الوقت بوصفها أحد أهم مفاتيح تخفيف الضغط النفسي لما تمنحه من شعور بالسيطرة وتقليل التوتر الناتج عن تراكم المهام، محذرة في الوقت ذاته من المقارنة المستمرة مع الآخرين التي قد تقود إلى الإحباط وضعف الثقة بالنفس، حيث يجب أن تكون المقارنة الصحية مع الذات فقط بهدف التطور والتحسن المستمر.
واختتمت عيسى حديثها بالتأكيد على أن الدور الحقيقي للأسرة يتمثل في الاستماع دون أحكام والتشجيع بدل التوبيخ وتوفير بيئة آمنة نفسياً تضمن نجاح الطالب أكاديمياً دون أن يدفع ثمناً نفسياً باهظاً.
