إن احترام الجار ـ وإن كان مؤذيا ـ من المبادئ الاخلاقية التي حث عليها ديننا الاسلامي، وأكد عليها النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، وأهل البيت الطاهرين، هذا المبدأ الأخلاقي المهم
اهتمام التعاليم الإسلامية بالجار وصلت الى مستويات عالية؛ حيث أن آيات قرآنية نزلت في أهمية الاحسان الى الجار وكيفية التعامل معه {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ}، وهذا الحرص من التعاليم الدينية متأتي لما للعلاقة بين الجارَين من أهمية كبرى يبنى عليها أواصر وروابط متينة في المجتمع الاسلامي.
الامام الكاظم عليه السلام، وفي ذات طريق جده المصطفى الأكرم، صلى الله عليه وآله، وابائه الطاهرين، عليهم السلام، لم يهمل هذا الجانب المهم في المجتمع، بل وضع رؤية واضحة في كيفية التعامل مع الجار، قال عليه السلام: “ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى”.
وكم هي كلمة بلغية، ذات دلالات عميقة جدا، ترسم العلاقة بين الجار وجاره، فمن الطبيعي ان لا يكون الجيران على حد سواء من الاخلاق، والتعامل الجيد، فالبيئة البيتية الداخلية، والتربية، وعوامل أخرى تساهم في تكوين شخصية الانسان، فإذن كانت تلك العوامل جيدة، فإن شخصية الفرد تبنى على الفضائل وحسن الاخلاق، والحرص على حقوق الآخرين ومنهم الجيران، أما إذا نشأ الانسان في بيئة غير جيدة، لا تساعد على النمو الاخلاقي الفاضل، فإن النتيجة ستكون التعدي على الآخرين، والقفز على حقوقهم وايذائهم.
في هذه الرواية الرائعة للإمام الكاظم عليه السلام: “ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى” يرسم الامام ملامح العلاقة التي يجب ان تكون بين الجار وجاره، فليس حسن الجوار ان يكف الانسان الأذى عن جار، بل هو بتحمّل أذى جاره.
قصة واقعية:
أحد الاصدقاء يقول: كنت دائما (اتنرفز) من جار لي؛ احيانا يضع دراجته باب بيتي مباشرة بحيث يصعب عليّ الدخول الى البيت او الخروج منه، واحيانا يرمي ابناؤه القمامة أمام الباب!. يضيف: كنت لا اطيق هذه التصرفات الميشنة ـ واقعا ـ وكنت في فورة داخلية دائما، الى ان قرأت ذات يوم رواية عن الامام الكاظم عليه السلام: “ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى”. فتغيرت نظرتي الى جاري كليا، حينها أحسست بطمأنينة نفسية كبيرة، فإذا رأيت من جار خلاف ما يجب ان يكون أغض الطرف، وأتذكر رواية الامام ان حسن الجوار هو الصبر على أذى الجيران.
هنا لابد ان نلفت الى إشارة مهمة؛ أن تحمل هذا الأذى يكون في الامور المعقولة عرفيا وأخلاقيا واجتماعيا، كرمي النفايات بالشارع، او نوع من المضايقات الاخرى، أما إذا كان الجار يسبب أذى اجتماعيا كبيرا، كأن يقوم ببعض الموبقات التي تؤثر على سمعة المنطقة، او يقوم بأفعال من شأنها هتك الآداب والأخلاقية الاسلامية فهنا ليس محلا لتحمل الأذى. إن احترام الجار ـ وإن كان مؤذيا ـ من المبادئ الاخلاقية التي حث عليها ديننا الاسلامي، وأكد عليها النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، وأهل البيت الطاهرين، عليهم السلام، هذا المبدأ الأخلاقي المهم. قال أمير المؤمنين عليه السلام: “عليكم بصنائع الاحسان وحسن البر بذوي الرحم والجيران فإنهما يزيدان ف الأعمار ويعمران الديار”.
