حدیث الناس

أزمة الغاز و كذبة راعي الغنم!

كمواطنين عاديين، لا أحد ينفي حصول أزمة في أي مادة استهلاكية او في الخدمات، فهي مسألة طبيعية في أي بلد بالعالم، بيد أن الطبيعي ايضاً؛ العلاقة الصادقة بين الدوائر الحكومية المعنية والمواطنين، والحديث بكل وضوح عن وجود صيانة –مثلاً- أو شحّة في الإنتاج

جميعنا يعرف حكاية كذبة راعي الغنم، فقد حفظناها؛ نحن أبناء جيل الستينات والسبعينات، وارجو أن لا تغيب عن ذاكرة أبناء الجيل الحاضر.

تذكرت هذه القصة فجأة وأنا أفكر بعواقب أزمة غاز الطبخ هذه الأيام، فالقضية ليست في غياب قناني الغاز من قبل الموزعين، ثم ارتفاع سعره، لأنها تجربة مرت علينا منذ عام 2003، فقد كانت هذه المادة تختفي ثم تظهر الى المواطن في بعض الاوقات، حالها من حال عديد السلع والمواد الضرورية في حياتنا، مثل البنزين، وبعض المواد الغذائية والانشائية والدوائية، بقدر ما تكمن الأسباب فيما يدور خلف الستار عند من بيدهم الحلّ والعقد ممن يُسمون جزافاً؛ “مسؤولين”، مما أوصل الناس الى قناعة بأن خلف كل أزمة تعصف بحياتهم ومعيشتهم، تكمن مصالح شخصية او فئوية، لمعرفتهم اليقينية بأن بلد مثل العراق لن يكون يوماً في أزمة بالوقود ولا المواد الغذائية، ولا الانشائية، ولا حتى الدوائية. العراق غنيٌ في كل شيء.

لكن ما علاقة أزمة الغاز هذه الأيام بكذبة ذلك الراعي الذي صار مثلاً للخيبة والخسران بسبب كذبة بسيطة؟

اختفاء الغاز، او البنزين، او الكهرباء لفترات طويلة، ثم عودتها بشكل طبيعي دون ذكر الأسباب الحقيقية، أعطى للمواطن الحق في تكذيب وجود الازمة بالأساس، وإلا كيف يفسّر المواطن نفي مديرية المشتقات النفطية في بغداد والمحافظات كافة وجود أزمة غاز الطبخ، وأنه متوفر في محطات التعبئة، فيما تختفي شاحنات التوزيع من الأزقة والشوارع فجأة، ويختفي صوت المنبه الذي يعلو: “قنينة غاز ب 6الاف دينار”، لعلّ باباً تفتح ويأتي الرزق؟!

كمواطنين عاديين، لا أحد ينفي حصول أزمة في أي مادة استهلاكية او في الخدمات، فهي مسألة طبيعية في أي بلد بالعالم، بيد أن الطبيعي ايضاً؛ العلاقة الصادقة بين الدوائر الحكومية المعنية والمواطنين، والحديث بكل وضوح عن وجود صيانة –مثلاً- أو شحّة في الإنتاج، او أي مشكلة فنية او تقنية، وهذا يحصل لا محالة بين فترة وأخرى، كما نشهد انقطاع الماء في مدينة كربلاء المقدسة لوجود الصيانة ثم تعود المياه الى مجاريها بعد يوم او يومين لا أكثر، ويكون ثمة إعلان مسبق على مواقع التواصل الاجتماعي ليستعد الناس للتخزين ولا تكون ثمة مشكلة تذكر، وهذا ما لم نلاحظه في أزمة الغاز الأخيرة، ولا في الازمات المماثلة، وإن سيقت مبررات وأسباب، فهي غير معقولة وبعيدة عن الواقع.

هنا نفترض حصول أزمة حقيقية وواقعية وليست مفتعلة، فهل سيصدق الناس كلام المدير او المسؤول؟ وهل سيتضامنون معه ويتفهمون الموضوع؟

سنكون أمام قصة راعي الغنم الكاذب الذي خسر أغنامه عندما داهمه الذئب الحقيقي بعد أن خذله الناس لكذبه عليهم بوجود الذئب الوهمي. الخسارة هنا لن تكون أغنام، ولا أموال، ولا حتى طاولة مدير او رئيس، أو أي موقع وظيفي آخر، بقدر ما هي مكانة الموظف الحكومي الذي يمثل الدولة وشرعيتها الدستورية في أعين الناس، وفقدانهم الثقة بها، مهما حاولت الترقيع بشعارات المصداقية والوعود المعسولة، لاسيما ونحن ننتظر بفارغ الصبر ظهور الحكومة الجديدة بعد جلوس جميع النواب المنتخبين تحت قبة البرلمان، فأول خطوة الى الأمام هي المصداقية في العمل، والشفافية بأعلى نسبة مع الناس التي تؤمن وتتضامن مع الصادق، وإن أحاطت به الأزمات والملمّات، فانه يتفوق عليها بهم، وتجارب الشعوب والأمم في التاريخ الحديث كثيرة، والعكس بالعكس، فان الازمات الحقيقية، وقبلها الكاذبة والمفتعلة ستفترس أصحابها، ولن يشفع لهم أحد.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا