الهدى – متابعات ..
بينما ينشغل العالم برسم خارطة طريق لما بعد عصر الطاقة الأحفورية، يجد العراق نفسه أمام اختبار تاريخي لاستعادة هويته التي عرف بها لآلاف السنين كبلد زراعي في المقام الأول.
فبالرغم من الهيمنة النفطية الحالية على الموازنات العامة، إلا أن حتمية العودة إلى الأرض تفرض نفسها كضرورة قصوى لحفظ الأمن الغذائي وتوفير القطع الأجنبي المستنزف في الاستيراد، لاسيما وأن البلاد تمتلك كافة مقومات النهوض من تربة خصبة وموارد بشرية قادرة على إعادة إحياء هذا القطاع الحيوي.
وقد جاءت المبادرة الطموحة التي شهدتها محافظة دهوك مؤخراً لتشكل جرس تذكير بأهمية التحرك الميداني، حيث انطلقت حملة تشجير واسعة استهدفت تخوم الجبال العالية الجرداء بهدف إضافة قوة حقيقية للاقتصاد الزراعي في الإقليم.
وتتجلى فوائد هذه التجربة في حماية البيئة وتحصين البلاد ضد آثار الاحتباس الحراري التي لطالما حذرت منها الدوائر الدولية، فضلاً عن اختيار أنواع من الأشجار التي تتحمل الظروف المناخية القاسية وأخرى مثمرة كالزيتون والجوز، والتي تسهم في توفير الغذاء على المدى البعيد، بالإضافة إلى دور الأشجار النفضية في تحسين خصوبة التربة طبيعياً عبر أوراقها المتساقطة.
وفي مقابل هذه الصورة الإيجابية، تبرز مفارقة مؤلمة في محافظات الوسط والجنوب، حيث تتعرض المساحات الزراعية والبساتين العامرة لعمليات تجريف قسري ممنهجة وتحويلها إلى مجمعات سكنية لغرض المتاجرة العقارية، وهو ما يعد خللاً هيكلياً جسيماً يضرب عمق الاقتصاد الوطني، حيث يتم التضحية بأشجار النخيل والمساحات الخضراء في وقت تحذر فيه التقارير الدولية من تناقص الغذاء العالمي بسبب الانفجار السكاني وشح الموارد المائية، مما يجعل هذا السلوك الاستثماري غير المدروس تهديداً مباشراً للمستقبل المعيشي للمواطن العراقي.

إن الدراسات الدولية التي تشير إلى احتمال نضوب النفط أو تراجع دوره الاستراتيجي بحلول عام 2050 تفرض على صانعي القرار في الحكومة المقبلة تبني رؤية مغايرة، خاصة مع التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة والصناعات الكهربائية التي بدأت تسحب البساط من تحت مشتقات النفط.
وهذا يستدعي إيقاف الزحف العمراني على الأراضي الزراعية فوراً وتوجيه مشاريع السكن نحو مئات الآلاف من الدونمات الجرداء غير الصالحة للزراعة، لضمان نمو حضري متوازن يحافظ على الرئة الخضراء للبلاد ويؤمن قوت الأجيال القادمة بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
