بصائر

الحرمات سور المجتمع الإسلامي

في الآيات التي تتحدث عن الاسرة؛ الله تعالى يصلح الواقع، من اصلاح اللبنة الأولى للمجتمع وهي الأسرة، فينظم علاقة الانسان بالمؤسسة الفطرية الطبيعية وهي الأسرة، قبل تنظيمها مع سائر أفراد المجتمع

لا يوجد مجتمع أو نظام، إلا وله أسوار تحميه وتحفظ كيانه، وهذه الأسوار هي (الحرمات)، أي الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها، وهي تعبير آخر عن (الحريات) أيضاً، فكل حرمة تسبب حرية، لأن الحرمات تعني عدم الإخلال بكرامة الإنسان، وبحياته بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فمتى ما حفظت تلك الحرمات، تحرر الانسان وصار قادراً على الحركة، لان الإنسان المهدد في عرضه أو في دمه أو ماله أو أي حرمة أخرى من حرماته، هذا الإنسان لا يستطيع أن يتحرك بحرية ويبني حياة طبيعية.

هذه الحرمات هي حدود الأحكام الشرعية، أو سور مدينة المجتمع الاسلامي أما داخلها فهناك العلاقات الاجتماعية على المسار الفطري أو الحضاري.

وفي سورة الاسراء، يُبين الله تعالى في منظومة من الآيات، تلك الحرمات، والتي تؤسس لثلاث حرمات أساسية: حرمة النسل، وحرمة الدم، وحرمة المال.

ولكن قبل الدخول في تفصيل الآيات والتدبر فيها، لابد من بيان نكتة  مهمة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يمنع الانسان من التعدي على حرمة من الحرمات، يمنعه من مقدمات ذلك أيضاً، وبعبارة أخرى: إذا كان (حرمة المال) سوراً عالياً ينبغي عدم تخطيه، فإنه محاط بعدة أسوار أخرى، امعاناً بحفظ الحرمات.

فمثلاً، لا يحرم الله سفك الدماء، ويمنع قتل الناس، وتجاوز حرمة الدم فقط، بل يمنع قبل ذلك عن أي اعتداء، فيمنع عن (السب)، و(الهزء)، و التنابز بالألقاب)، لأن من يتورع عن الاعتداء باللسان، سيمنعه ذلك قطعاً عن الاعتداء باليد.

وكذلك، حين يحافظ الإسلام على حرمة النسل، بحفظ كيان الأسرة، وتحريم الزنا، فإنه يبدأ بإيجاب الحجاب، وغض البصر من الجنسين، والتحذير من أي علاقة مع المرأة الأجنبية. فالإسلام يضرب السد الأول ويأمر بالحجاب، ويجعل للمرأة كرامة وشأنية خاصة، وهكذا عشرات الأحكام التمهيدية التي تنتهي إلى حرمة الزنا، فانتهاك سور الزنا، يبدأ من تسوّر الحجاب، أي عبوره، والذي يفتح الباب على سائر المحرمات.

التوحيد أصل كل فضيلة

يبتدئ الحديث في هذه المنظومة من الآيات بالتوحيد، ويختتم بالتوحيد، لماذا ؟

لأن كل ضلالة، وكل انحراف، إنما تنتج من بعد الإنسان عن ربه سبحانه وتعالى، والشرك مشاكل ضلالة وأصل كل انحراف؛ وفي المقابل، كلما اقترب الإنسان من الله تعالى واستوعب حكمة الخلق، وعرف أن الخلق مرآة تعكس الحق الذي يحكم السماوات والأرض: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} . كلما سلك طريق الهداية والفلاح في الدنيا والآخرة.

نظام الأسرة

فيبتدئ الرب منظومة الآيات المشتملة على (الحكم) بقوله: {لَا تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَخْذُولاً}.

ثم يقول تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، فقبل الحديث عن العلاقة الفطرية بالأسرة، يذكرنا الله بأن العبادة لا تكون إلا له، لينظم العلاقة بين الانسان وبين السلف الصالح بصورة سليمة، فالعلاقة مبنية على الاحترام، والتواصل، لا القطيعة والتدابر، ففي الوقت الذي يأمرنا بذلك الاحترام، ينهانا عن عبادتهم، أي أنه لابد ألا يترك عقله وفكره، ويسلم لهم ولأفكارهم.

فعلى مر العصور، كانت الثقافات المتوارثة، وتقليد الأجيال السابقة، سبباً رئيسياً لضلالة البشر، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في عدة مواضع في القرآن الكريم، بل بين أنها سنة ثابتة: {و كَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}.

إذن فلا عبادة إلا لله تعالى، أما الوالدان فلهما التكريم والإحسان: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. إحسان دون عبادة، والفارق بينهما، أنه في علاقة الإحسان تكون يد المحسن هي العليا، أما العبادة فتكون السفلى، لأن العبادة تعني الخضوع والتسليم والإحسان يعني الترفع والتعالي ومن ثم العطاء.

كل ضلالة، وكل انحراف، إنما ينتج من بُعد الإنسان عن ربه سبحانه وتعالى، والشرك مشاكل ضلالة وأصل كل انحراف

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}. في هذه الآية نلاحظ كيف أن الله تعالى يصلح الواقع، من اصلاح اللبنة الأولى للمجتمع وهي الأسرة، فينظم علاقة الانسان بالمؤسسة الفطرية الطبيعية وهي الأسرة، قبل تنظيمها مع سائر أفراد المجتمع.

وفي هذه الآية نكتة دقيقة، وهي أن الله لا يحدثنا عن الأبوين وهما في قوة نشاطهما وقوة استطاعتهما في توفير الحماية لأنفسهما وحماية أبنائهم، بل حين يفني الدهر قوتهما، فيحتاجان إلى العناية والحماية؛ إذ أن احترام الأبوين في أوج نشاطهما وقوتهما، ليس أمراً صعباً، إنما احترام الأب، وقد أصبح رهين داره، لا يقدر حتى على قضاء حاجاته الشخصية، وقد أنهكه الزمان، وهو دائم التململ، هنا تكون الحاجة. وفي الآية – كما يصرح الفقهاء – دلالة الأولوية، إذ أن كلمة: {فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ} تنهى عن أقل المصاديق، فتنهى بطريق أولى عن المصاديق الأشــد كالاعتداء عليهم بالسب او الضرب.

{وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} فلا يكفي الوفاء بالحاجات المادية، بل لابد من الوفاء بالحاجات المعنوية أيضاً. والقول الكريم هو ما يحفظ للإنسان كرامته، وقدره.

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صغيرا}. ونستفيد من الآية حكمة قرآنية، وهي أن القرآن لا يريد أن تكون العلاقة سليمة في الظاهر، بل حتى العلاقة القلبية ينبغي أن تكون مبنية على حسب وإكرام الأبوين، والذي يتمثل بالدعاء لهم.

{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا}، وإذا فقدت جزءاً من الحنان والحب والإحسان للوالدين فتب إلى الله، فإنه سبحانه يتوب عليك.

___________

(مقتبس من كتاب متى وكيف تتحقق الحضارة الإسلامية لسماحة المرجع الديني محمد تقي المدرسي).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا