الهدى – متابعات ..
اعتاد الناس قديماً اللجوء إلى فنجان من القهوة أو كوب من الشاي لتعزيز التركيز، نظراً لاحتوائهما على نسب كافيين مدروسة ومحدودة.
إلا أن التحول الاستهلاكي المتسارع فرض نوعاً جديداً من المنبهات تحت مسمى “مشروبات الطاقة”، التي سرعان ما تحولت من وسيلة للتنشيط إلى “خطر صحي داهم” يهدد حياة الملايين، وسط تحذيرات دولية ومحلية تؤكد أنها لا تمنح “أجنحة” كما تزعم الإعلانات، بل قد تمنح موتاً مفاجئاً، خاصة لمن هم دون سن السادسة عشرة.
ولا تزال الأوساط العلمية تكافح لوضع تعريف دقيق لهذه المشروبات التي تمزج بين الكافيين والتورين والفيتامينات (B) مع مكونات عشبية كالجنسينغ والجنكة.
وبينما يحتوي كوب الشاي على 35 ملغراماً من الكافيين، والقهوة الكبيرة على 70 ملغراماً، تأتي الصدمة من علب مشروبات الطاقة التي تحتوي الواحدة منها على 180 ملغراماً، وقد تصل في الأنواع المركزة إلى 250 ملغراماً.
ويؤكد المختصون أن الكافيين كلما زاد، ازدادت كوارثه على الأعضاء الحيوية، أما مادة “التورين” (حمض أميني)، فبالرغم من فوائدها في النسب المحدودة، إلا أن شركات المشروبات تضعها بكميات غير طبيعية تتسبب بتشنجات في الجسم وحالات صرع لدى صغار السن، ناهيك عن احتواء العلبة الواحدة على نحو 15 ملعقة سكر كبيرة، ما يجعلها “فخاً” للسمنة والسكري ومقاومة الإنسولين.
منذ ظهورها عام 1987، ارتبطت هذه المشروبات بقصص مأساوية؛ ففي عام 2009 توفي مراهق فرنسي بسكتة قلبية بعد مباراة كرة سلة شرب قبلها عدة علب من “ريد بول”، ما أدى لحظر المشروب حينها.
كما لاحقت الفضائح شركات كبرى، حيث حُظر أحدها في ألمانيا لاكتشاف آثار “كوكايين” فيه، بينما حُظر آخر في زامبيا، وفي عام 2025، اتخذت بريطانيا خطوة تاريخية بحظر بيع هذه المشروبات للأطفال بسبب نتائجها الكارثية بدنياً وسلوكياً.
محلياً، المشهد لا يقل خطورة، يقول فيصل السعدون، مدير مدرسة الحسن العسكرية: “التعليمات تمنع بيع هذه المشروبات في الحوانيت، لكن أثرها بدأ يظهر في عدوانية الطلبة، تذبذب نشاطهم، وضعف قدراتهم على الاستيعاب”.
من جانبها، تطلق الدكتورة غسق فاضل، من مركز “القاضية” الصحي في الحلة، حملة توعية بعد تزايد حالات الموت المفاجئ بين المراهقين، مشيرة إلى معضلة كبرى: “المنع في المدارس لا يكفي، فالطلبة يشترونها من الأسواق المتاحة للجميع دون رقابة عمرية”.
وهذا ما أكدته الطالبة “ملاك أحمد”، موضحة أن الطالبات يشترين المشروبات من الأسواق قبل ركوب خطوط النقل، ظناً منهن أنها تمنح النشاط للامتحانات.
فيما يروي الطالب “محمد ضياء” تجربة مريرة كادت تودي بحياته؛ حيث دخل في “تحدي شرب أكبر عدد من العلب” مع زملائه، لينتهي به الأمر في ردهة الطوارئ مصاباً بنزيف من الأنف والفم وارتفاع مفاجئ في ضغط الدم أثناء الامتحانات الوزارية.
ويرى الدكتور خالد الدليمي، اختصاصي التغذية، أن علبة واحدة للطفل تعادل إعطاءه ثلاثة أكواب قهوة دفعة واحدة، محذراً من تسببها في هشاشة العظام وتسوس الأسنان والتهابات المريء.
كما يضيف المستشار الدولي عبد اللطيف الموسوي أن هذه المشروبات تسبب القلق والأرق والجفاف الحاد نتيجة إدرار البول المفرط بفعل الكافيين.
ويتفق الأطباء، ومنهم الدكتور حمد الفرحان، على ضرورة استبدال هذه السموم بالشاي والقهوة بنسب معتدلة.
ومع تزايد حالات الدخول لغرف الطوارئ، تتعالى الأصوات المطالبة بإجراءات حكومية تتجاوز “الجهود الفردية”، لتشمل حظر البيع لمن هم دون الـ 16 عاماً في الأسواق العامة، وفرض ضوابط صارمة على تداولها، حمايةً لجيل يرى في “علبة الطاقة” وسيلة للنجاح، بينما هي في الحقيقة طريق مختصر نحو الهاوية.
