حينما يكون الانسان زاهدا في الدنيا لا يمكن أن تؤثر عليه الضغوط؛ فلا ينحرف سواء في حالة الرغبة، او في حالة الرهبة، وذلك مصداقا للآية الكريمة: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.
عن نوف البكالي رأيت أمير المؤمنين، عليه السلام، ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم، فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، فقال: “يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة! أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح”. (نهج البلاغة، الحكمة:101).
هنالك مجموعة كبيرة من الآيات والروايات كلها تطلب من الانسان ان يترك الدنيا، ويزهد فيها، ولا يكون مولها بها، “حلاوة الدنيا مرارة الاخرة ومرارة الدنيا حلاوة الاخرة”، ومثل الرواية: “من اعطي في الدنيا شيئا كثيرا ثم دخل الجنة كان أقل لحظه فيها”. والروايات في هذا الجانب كثيرة.
والسؤال: ما معنى الزهد؟
ولماذا نكون زاهدين؟
وعلى ماذا نزهد؟
البعض يظن ان الزهد هو ترك الدنيا، وفي الحقيقة لا يستطيع الانسان ان يترك الدنيا؛ فلا يستطيع أحد أن يلغي حاجاته، وشهواته، وكلها مخلوقة من قبل الله ـ عز وجل ـ.
الزهد في الحقيقة أمران، إن اجتمعا كان زهدا، وإلا فلا:
الامر الاول: أن لا تكون الدنيا أكبر همّ الانسان، فينسى الهدف من وجوده، فيكون الطعام، والبيت، وبقية الحاجات هدفا، وفي الحقيقة هي وسائل، {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}.
حينما تجعل الدنيا محور حياتك حينها تكون عبدا لها وتنسى الهدف من وجودك، “يا ابن آدم خلقت كل شيء من أجلك”، وحين لا تصبح الدنيا هدفا فإن الانسان يصبح قنوعا؛ حين يحصل على بيت فهو يكتفي به و لعائلته، لا ان يبحث عن المزيد، وايضا يطلب الحلال يطلب ما يعينه على امر دينه وديناه فلا يجمع الكثير، وفي سفرته تجد الطعام الذي يسد حاجته، لا أن يجلب الكثير منه ثم يرمي بالزائد في المزبلة، وإن تناقضت أمامه ديناه وآخرته، فهو لا يقدم الاخيرة على الاولى.
الامر الثاني: أن يكون ترك الدنيا في سبيل الهدف الاسمى
الزاهدون ـ حسب كلمة أمير المؤمنين ـ هم الذين يتركون الدنيا لما هو أعظم منها، “طوبى للزاهدين في الدينا الراغبين في الآخرة” ترك الدنيا مع الرغبة في الآخرة، ترك عبادة البطن مع أن يكون الانسان منتجا، وترك جمع المال مع العطاء.
الذي يترك الدنيا لانه فاشلا فيها لا يكون زاهدا، والذي يترك الدنيا بدون انتاج فليس زاهدا، بل هو أحمق، والذي لا يتزوج رغبة عن الزواج فهو يخالف سنة رسول الله، صلى الله عليه وآله الذي يقول: “النكاح سنتي ومن رغب عن سنتي فليس مني” فالترك لاجل الترك يعد ضربا من الجنون.
الدنيا مملؤة بالمشاكل والمصائب والطريق الى معرفتها هو الزهد فيها في الحديث الشريف: “أزهد في الدنيا تصبرك عيوبها
“والقرآن شعارا والدعاء دثارا” يحرصون على تلاوة القرآن والعمل بأحكامه، ويدعون الله خوفا وطمعا اليه. وقيل ان الشعار هو تلاوة القرآن الكريم سرا، لان الشعار هو الشيء الذي يلتصق بالجسم مباشرة، والدثار هو الجانب الآخر من الملبس.
والامام يصف هؤلاء الزاهدين بأنهم يقضمون من الدنيا الشيء القليل بما ينفعهم في حياتهم، وهذا لا يعني انهم تركوا الدنيا، لان الانسان خلق محتاجا للطعام، والماء، والملبس، ويحتاج ما يقيه من الحر والقر.
لماذا الزهد؟
لماذا يجب ان لا نسعى لتكون لنا قصور وأموال؟
لماذا المطلوب أن نكون زاهدين؟
الجواب: الدنيا لا تستحق؛ قال أمير المؤمنين: “واعلموا ان ليس لابدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها”، القصور والاموال لا تستحق ان يصرف الانسان عمره عليها، لان الدنيا لا تبقى للإنسان، وهو لا يبقى لها. حين يزهد الانسان في الدنيا فإنه ينال الثمن الذي يستحقه وهو الجنة، لان الدنيا ليست ثمنا للانسان، {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ}، ونقرأ في الدعاء: “اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ولا تجعل مصيبتي في ديني”.
والدنيا مملؤة بالمشاكل والمصائب والطريق الى معرفتها هو الزهد فيها في الحديث الشريف: “أزهد في الدنيا تصبرك عيوبها”. كمثل ذلك الذي يعشق امرأة فيراها ملكة جمال الكون لكن بمجرد أن تتركه او ترفض الزواج به، فإنه سيرى كل معايبها.
ومن عجائب الدنيا لا تنفع إلا إذا صرفتها، فالاموال التي بحوزتك تبقى خائفا عليها إلا إذا استخدمتها وصرفتها، لذلك تظل الاموال ثقلا على ضمير الانسان ما دام محتفظا بها، يخاف ارتفاع او انخفاض الدولار! “جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا”، وفي رواية أخرى: “الزهد متجر رابح”، وأيضا: “الزهد ثروة”.
حينما يكون الانسان زاهدا في الدنيا لا يمكن أن تؤثر عليه الضغوط؛ فلا ينحرف سواء في حالة الرغبة، او في حالة الرهبة، وذلك مصداقا للآية الكريمة: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.
ويصف النبي الاكرم، الامام علي، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله، لعلي عليه السلام”: يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، زينك بالزهد في الدنيا، وجعلك لا تزرأ منها شيئا ولا تزرأ منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما”
الذي يترك الدنيا لانه فاشلا فيها لا يكون زاهدا، والذي يترك الدنيا بدون انتاج فليس زاهدا، بل هو أحمق
وفي تفسير الزهد، قال النبي الاكرم، قلت: يا جبرئيل فما تفسير الزاهد؟ قال: الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلالها ولا يلتفت إلى حرامها فإن حلالها” حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام، ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله.”
إن الهدف من وجود الانسان ليس ان يسعى خلف ملذاته وشهواته فقط، بل هو أسمى من ذلك، فالجنة هي الثمن الحقيقي لنا، والحاجات الفطرية التي اودعها الله فينا، من الحاجة الى المأكل والمشرب، والجنس لا يمكن الغاؤها من مسرح الحياة، وايضا من غير الصحيح ان يجعلها الانسان هدفه الاول والاخير، لانها عبارة عن وسائل توصلنا الى غايات عظمية وكبيرة.
______________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
