أسوة حسنة

في ذكرى وفاتها: صبر العقيلة وبناء المجتمع

السيدة زينب لم يملأ عينيها المنظر المؤلم والفضيع لجسد الإمام الحسين على الأرض، بقدر ما كانت تتطلع الى آفاق الرسالة التي من أجلها ضحى أخيها الحسين، فعرفت أن أول عمل يجب القيام به ليس الانهيار بالكباء والجزع، وإنما حمل راية الإصلاح والتغيير الجذري في الأمة

للصبر أنواع صنفها المعصومون، عليهم السلام، في روايات عدّة، أكدوا فيها أهمية ومكانة هذه الصفة الأخلاقية والمَلَكة الروحية التي طالما وردت في القرآن الكريم يوسم بها الصالحين، فثمة صبرٌ على المعصية، وصبرٌ على المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله.

وأكثر ما يمتحن به العباد؛ الصبر على المصيبة، لأنها تمس شغاف القلب، وتضع الانسان على مفترق طرق بين مشاعره الجياشة والعفوية، وبين الالتزام بالهدوء امتثالاً لوصايا المعصوم، وما جاء في كتاب الله المجيد، وما أعدّ الله من أجر عظيم للصابرين، ويشتدّ الأمر عندما يكون صاحب المصيبة امرأة، وهي مجمع العواطف والمشاعر الإنسانية المرهفة، فلا يكون من السهل التحكم بالمشاعر اذا فقد من المرأة ابنها، او من الزوجة زوجها، او من الفتاة أباها.

وبينما هي أحد اركان المجتمع، وهي عماد الأسرة، فإذا قبلنا بفرضية الانفعال، وأن من حقها الانهيار نفسياً بمثل مصائب كتلك، فإن علينا الاستعداد القبول لانهيار الأسرة والمجتمع، بل والأمة بأسرها، وليس في الأمر من مبالغة مطلقاً عندما نشهد اليوم انهيار بعض النساء –ولا نقول جميعهنّ- لأي أمر يعترض حياتهنّ، حتى وإن كان فقدان الوظيفة، أو الراتب الشهري، وهو دون منزلة وشأن المرأة التي حدثنا عنها الإسلام في منظومته الاجتماعية.

وفي ذكرى وفاة العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين، عليه السلام، حريٌ بنا استلهام الدروس والعبر من تجارب الصبر لهذه السيدة العظيمة، وتحديداً الصبر على المصيبة، و أيّة مصيبة! نقرأ في زيارة عاشوراء “لقد عظمت الرزية وجلّت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل الإسلام، وجلّت وعظمت مصيبتك في السماوات على جميع أهل السموات”.

وربَّ قائل: بأن الصبر الزينبي يوم عاشوراء جاء امتثالاً من العقيلة زينب لوصايا شقيقها الامام الحسين، عليه السلام، في اللحظات الأخيرة قبل استشهاده، ولكن هذا لا يلغي المشاعر الأنثوية لدى السيدة العقيلة، فهي امرأة كأي امرأة أخرى، تنطوي على مشاعر وأحاسيس من الحب والكراهية والغضب، فكان جهدها الذاتي والبطولي بأن تقف أمام جسد مقطّع بالسيوف على ارض كربلاء، وتضع يدها تحت هذا الجسد الطاهر قائلة: “اللهم تقبل هذا القربان من آل محمد”.

هنا الدرس البليغ لنا جميعاً بأن البصيرة والرؤية الشاملة للحياة هي التي تساعدنا على رباطة الجأش والتحكم بالانفعالات النفسية مهما كانت المصيبة أو الحدث الذي نكره، فالسيدة زينب في تلك اللحظة التاريخية الفاصلة، لم يملأ عينيها المنظر المؤلم والفضيع لجسد إمام معصوم، هو آخر ابن بنت نبي في الأرض، وخامس أصحاب الكساء، وريحانة رسول الله، بقدر ما كانت تتطلع الى آفاق الرسالة التي من أجلها ضحى أخيها الحسين، فعرفت أن أول عمل يجب القيام به ليس الانهيار بالبكاء والجزع، وإن كان هو واقع لا محالة لمصيبة بهذا الحجم، وإنما حمل راية الإصلاح والتغيير الجذري في الأمة، في زمانها وحسب، وإنما على مر الأجيال والتاريخ الى يوم القيامة.

وهل إن عملية حمل الراية سهلة كما نتصورها في مشهدها المادي المتمثل في خشبة طويلة وقطعة قماش؟! إنه تعبير مجازي يدلّ على تحمل مسؤولية الأسرة والمجتمع والأمة، وهذا ممكن عندما ننجح في التسامي على رغبة التملّك، ورغبة الظهور، والأهم؛ التسامي على الجراح والضغوط النفسية من مشاكل مع الزوج، او مع الأب، أو أي فرد من افراد الأسرة، فضلاً عن المشاكل المحتملة في محيط الدراسة والعمل، و”الصبر الممدوح هو حبس النفس على تحمل المشاق تسليماً لأمر الله –تعالى-، وقيمة الصبر تعني احتمال المكاره من غير فزع، وقسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل والقيم النبيلة”. (القيم التربوية في سيرة العقيلة زينب- للباحثة المرحومة الدكتور سادسة حلاوي).

لمن يتصفح تاريخ النسوة الناجحات في التاريخ، لاسيما في العصر الحديث، يجد أن ناجهنّ كان في التأثير الإيجابي على حياة مجتمعهنّ، فالاكتشافات العلمية، غيّرت حياة الناس من حولهن، بل وحياة الملايين من البشر الى مر الزمن

إن صبر العقيلة زينب، ونجاحها الباهر في حمل راية النهضة الحسينية منذ لحظة استشهاد الامام الحسين، وخلال مسيرة السبي في الكوفة والشام، وحتى عودتها الى دارها في المدينة، هو الذي أبقى جذوة هذه  النهضة متقدة في النفوس، ولها كل الفضل في أن نقيم سنوياً مجالس العزاء، فيبكي الباكون، ويقيم المعزون مجالس الذكر لنشر الوعي والثقافة الدينية، ويتحدث الخطباء، وينظم الأدباء، و يكتب الباحثون، والجميع يحثون الخطى خلف هذه الراية المباركة. ولكن!

ماذا عن المرأة اليوم؟

السيدة زينب ليست بيننا، ولا هي بين النساء، إنما نحن أمام فتيات ونسوة يتوزعن بين ربّات البيوت، وبين طلبة العلم في الجامعات، وبين المنهمكات في أعمال مختلفة، ولنا أن نتساءل عن مدى الامكانية المتوفرة لصبر وتماسك والتزام بالقيم والأحكام لدى نسائنا لينطبق عليهنّ حقاً؛ لقب المرأة الناجحة؟

ولمن يتصفح تاريخ النسوة الناجحات في التاريخ، لاسيما في العصر الحديث، يجد أن ناجحهنّ كان في التأثير الإيجابي على حياة مجتمعهنّ، فالاكتشافات العلمية، غيرت حياة الناس من حولهن، بل وحياة الملايين من البشر الى مر الزمن، مثل العالمة الفيزيائية البولندية؛ ماري كوري، واكتشافها لعنصري البلوتونيوم والراديوم لأول مرة، ثم التوصل؛ بمعونة زوجها، على النشاط الإشعاعي، ليتمكن البشر بعد ذلك من الاستفادة من هذا الاشعاع لمعالجة الكثير من الامراض، ولو أن بعض هؤلاء البشر غير السويين، مرقوا عن الفطرة الإنسانية واستغلوا الاكتشاف لأغراض عسكرية وصنع القنبلة النووية.

وكذا الحال في المآثر الأدبية، مثل الكاتبة الأميركية هيربرت بيتشر ستاو، صاحبة أشهر رواية عن حياة زنوج اميركا تحت عنوان: “كوخ العم توم- الحياة مع المعذبين في الأرض” وقد امتدحها الرئيس الأميركي ابراهام لينكولن عام 1862 على هذه الرواية المُبدعة خلال لقائه بها، فيما كانت الحرب الأهلية على أشدها بين المتشبثين بقانون العبودية، والطامحين لإلغائه، وقال: إن للرواية فضلٌ كبير في إنهاء حالة العبودية في اميركا الى الأبد. فهل نحظى يوماً بامرأة في بلادنا يكون لديها هذا الشعور العالي بالمسؤولية، والقوة في القلب والنفس لتحقق النجاح والسعادة، ليس لنفسها فقط، وإنما لمن حولها ولأبناء شعبها وأمتها؟

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا