الهدى – متابعات ..
لم يعد ملف حرق الغاز في العراق مجرد قضية طاقة مؤجلة، بل تحول إلى اختبار حاسم لقدرة الدولة على ترجمة التعهدات إلى سياسات واقعية.
فبينما يطمح العراق للوصول إلى نقطة “صفر حرق” بحلول عام 2028، تبرز تحديات متشابكة تضع هذا الهدف الطموح على المحك، وسط أرقام قياسية للهدر تضعه في المرتبة الثالثة عالمياً.
نزيف المليارات
وتظهر البيانات أن العراق حرق في عام 2024 وحده نحو 18.2 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يمثل 12% من إجمالي الغاز المحروق في العالم.
وهذا الهدر الهائل يتقاطع بشكل مؤلم مع أزمة الكهرباء المزمنة؛ ففي الوقت الذي يحرق فيه العراق هذه الكميات، يضطر لاستيراد نحو 7.8 مليار متر مكعب من الغاز الإيراني لسد النقص، مما يعني أن استثمار الموارد المهدورة كان كفيلاً بتقليص الفجوة بين العرض والطلب وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتشير بيانات الأقمار الصناعية إلى تصاعد مخيف في حجم الحرق؛ فبعد أن كان نحو 12.7 مليار متر مكعب في عام 2012، قفز ليصل إلى مستويات قياسية في 2024، تزامناً مع الزيادات الحادة في إنتاج النفط وغياب البنية التحتية القادرة على احتجاز الغاز المصاحب ومعالجته.
تحديات موروثة
ويرى معهد الدراسات الإقليمية والدولية الأمريكي (IRIS) أن الطريق نحو “عراق بلا حرق” يواجه عقبات تقنية واقتصادية، أبرزها عقود النفط والغاز القديمة التي لم تعد تتناسب مع تعقيدات الصناعة الحديثة.
تاريخياً، لم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها العراق خططاً طموحة؛ فخطة عام 2012 كانت تهدف لإنهاء الحرق بحلول 2015، لكن أزمة “داعش” وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي أجهضت تلك التطلعات.
واليوم، يغلب الغاز المصاحب على معظم احتياطيات العراق البالغة 124.6 تريليون قدم مكعبة، مما يجعل عملية احتجازه مرتبطة عضوياً بإنتاج النفط.
وفي ظل غياب الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع المنفردة، تبرز الحاجة إلى “مشاريع متكاملة” تربط الإيرادات وتخلق إطاراً سوقياً يشجع المستثمرين.
الاقتصاد السياسي.. مفتاح الحل
ويربط التقرير نجاح استراتيجية 2028 بجانبين مرتبطين بالاقتصاد السياسي، أولهما، التزام طويل الأمد من النخبة السياسية، يضمن استمرار المشاريع بغض النظر عن تغير الحكومات بعد انتخابات نوفمبر المقبل، والثاني، استعداد الإدارة القادمة لتوظيف “رأس المال السياسي” لتنفيذ استراتيجيات طويلة الأجل، ومواجهة العقبات التي قد تفرضها الحسابات السياسية الضيقة.
و لاتزال خارطة الطريق التي اقترحها البنك الدولي عام 2018، والتي تبنتها الحكومة دون تنفيذ كامل، تمثل مرجعاً أساسياً؛ إذ تدعو لخلق بيئة تجارية مستدامة تضمن للمستثمرين استرداد كلفهم وتحويل الغاز من “شعلة نار” ملوثة للبيئة إلى “وقود” يحرك عجلة الاقتصاد.
خلاصة المشهد
وبين وعود “صفر حرق” وواقع المرتبة الثالثة عالمياً، يجد العراق نفسه أمام ضرورة استغلال ثروته التي تحترق في السماء. وإن بلوغ عام 2028 بلا غاز محروق يتطلب أكثر من مجرد توقيع عقود؛ إنه يتطلب بنية تحتية حديثة، وتحديثاً للتشريعات القانونية، وإرادة سياسية عابرة للدورات الانتخابية، لضمان استعادة العراق لمكانته كقوة طاقة حقيقية تعتمد على مواردها الذاتية.
