الأخبار

صيد الأسماك في العراق؛ مهنة سومرية توارثتها الأجيال على ضفاف دجلة

الهدى – بغداد ..

لم ينفرد العراق بوضع القوانين الأولى وتعليم البشرية أبجدية الحرف فحسب بل تميزت هذه البلاد بامتهان أعرق الحرف التي عرفها التاريخ وعلى رأسها مهنة صيد الأسماك التي نمت بفضل هبة النهرين العظيمين دجلة والفرات.

وتؤكد البحوث التاريخية واللقى الأثرية أن السومريين كانوا أول من احترف هذه المهنة بدليل المنحوتات التي جسدت الصيادين وأنواعاً من الأسماك التي ما زالت تعيش في مياهنا حتى اليوم كالبز والشبوط.

وقد بلغت هذه المهنة من السمو أن الملوك والكهنة خصصوا لها طقوساً مقدسة ومواكب مهيبة يضعون خلالها شباك الصيد فوق رؤوسهم تعبيراً عن الهيبة والوقار.

وتكشف المصادر التاريخية ومنها كتاب سومر أسطورة وملحمة، للدكتور فاضل عبد الواحد، أن الملك الرابع لسلالة الوركاء ديموزي كان صياداً وكذلك الملك أوتو حيكال.

ولم يرث العراقيون عن أجدادهم القوارب وجداول المواسم فحسب بل ورثوا أيضاً اليشماغ الذي تعود جذوره إلى الكلمة السومرية آش ماخ بمعنى غطاء الرأس العظيم، حيث فُصل هذا الغطاء ليكون راية لخيرات النهر والبر إذ ترمز خطوطه البيضاء لدجلة والفرات والمتعرجة لأمواج المياه فيما تشير الدوائر المتشابكة لشبكة الصيد والحبات السوداء لزراعة الحبوب في أرض السواد.

وفي لقاء مع الصياد حمزة جاسم محمد، الذي استبشر بزيادة مناسيب المياه ووفرة الأسماك، موضحاً أن الصيادين يستخدمون أنواعاً من الشباك تختلف فتحاتها بحسب حجم السمك المستهدف من العشيري وصولاً إلى السديسي والثميني المخصص للأسماك الخشنة التي تظهر مع غزارة التيار.

ويضيف أن سوق الشواكة هو المنفذ الرئيس لتسويق صيدهم الذي يتصدره حالياً سمك الشبوط الذي يباع للسوق بخمسة عشر ألف دينار وللمستهلك بـاثنين وعشرين ألفاً مشيراً إلى اختفاء سمك البني من بغداد وانحصاره في المحافظات الجنوبية، فيما تبدأ أوقات عملهم من الفجر حتى المساء بنظام نوبات تبلغ النوبة الواحدة ساعة لكل صياد في المسافة الممتدة من جسر الشهداء إلى جسر السنك.

أما عن تطور صناعة المراكب فيشير الصانع صباح حسن الباصي إلى أن المهنة تحولت من استخدام أخشاب الصاج والتوت المكلفة إلى مادة الفايبر كلاس التي أصبحت البديل الأساسي في صناعة زوارق السماجي والتاكسي ومراكب النقل وتتفاوت الأسعار بين مليون ونصف المليون دينار لقوارب الصيد الصغيرة وتصل إلى مئة مليون دينار للمراكب الكبيرة التي تحتاج لإجازات رسمية من الموانئ والزراعة.

وفي منحى آخر استثمر، الصياد حيدر فوزي الخفاجي، مركبه في السياحة النهرية وتنظيم الرحلات العائلية وحفلات أعياد الميلاد التي تشمل تقديم وجبات السمك والتمن الأحمر بأسعار تبلغ مئة ألف دينار للعائلة المكونة من خمسة أفراد في رحلة تمتد لثلاث ساعات تمر بمناطق البيروتي والعطيفية وزيارة الخضر عليه السلام.

واختتمت الجولة في سوق الشواكة لبيع الأسماك الذي يعد من أكبر أسواق العاصمة وأرخصها حيث تنتشر مطاعم الشواء التي تقدم الكيلو الواحد مع الخبز والمقبلات باثني عشر ألف دينار وهو سعر زهيد مقارنة ببقية المطاعم ليبقى مشهد الصيادين وشباكهم المتسارعة في قلب دجلة شاهداً حياً على استمرار حضارة بدأت منذ آلاف السنين ولم تنقطع أنفاسها رغم تقادم الزمن.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا