إضاءات تدبریة

كلام في مشروع العودة إلى القرآن العظيم لمعالجة أوجاع الأمة وحل مشاكل التخلف والفساد والإنحطاط

إن العودة والرجوع الى القرآن الكريم هو الحل الشافي لكل ما تعانيه الأمة الإسلامية من أوجاع وآلام، بل و اكثر ما تواجهه البشرية جمعاء من مشكلات عميقة، وهو الطريق الأمثل لمعالجة كل مظاهر التخلف والفساد والانحطاط الذي أصاب الأمة في مختلف جوانب حياتها

كانت هجرة الأمة للقرآن تتمثل في انفصال واقعهم المعاش عنه تطبيقًا وتفسيرًا وتأويلاً، وذلك من خلال أنّهم:

أولاً: تخلّوا عن عدل القرآن الكريم، وهم العترة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليهم)، العارفين العالمين بتفسير القرآن وتأويله.

ثانيا: انشغلوا بتحصيل مناصب آنية وزبد زائل، إرضاءً للسلطة القرشية، ثم الأموية التي سعتْ جاهدةً لدفن الإسلام وإرجاع الأمة إلى الجاهلية السابقة، ولكنْ بقالب إسلامي جديد من صنع أيديها.

فدفنت معارف وعلوم القرآن الكريم على أيدي من يمكن تسميتهم صناع الإسلام المزيف والمحرف ذو النكهة الأموية والقرشية، والذي استمر منهجهم إلى يومنا هذا؛ ذلك بجعل القرآن الكريم مجرد تحفة ديكورية لا قيمة حقيقية لها ولا تأثير. وهكذا حقق طغاة قريش حلمهم في فصل القرآن عن روح الأمة وحياتها، بعد أن استطاعوا تحويل كتاب الله العظيم إلى وسيلة قشرية شكلية يفسرونها ويؤولونها بما يتناسب مع أهوائهم ومشاريعهم الشخصية، لا الأهداف الدينية السماوية.

فهو القرآن في واقعنا اليومي يعيش غربة شديدة مع مظاهر الاحتفاء القشري بوجوده في بيوتنا كمسلمين. فلا نتعامل معه كما يجب: كمنهج حياة ورؤية وبصيرة، بل نلوذ به كتحفة مقدسة نزين بها أرفف مكتباتنا. ونجعله وجودًا قشريًا في مساجدنا ومراكزنا الدينية، فنلجأ إليه للتبرك فحسب عند قراءة الفواتح على الأموات وإحياء المناسبات الدينية. وغدا كتاب الله العظيم غريبا وهو يرقد بالقرب منا دون أن تكون له حيوية تذكر في التفكير أو النهج.

ومن شدة ظلمنا لأنفسنا كأمة، صرنا نجول هنا وهناك بحثا عن العلم والمعرفة، بينما يوجد في معظم منازلنا ودور عبادتنا هذا الكنز العظيم من العلوم والمعارف والمتمثل في كتاب الله العظيم.

فما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من واقع سيء ومتخلف هو نتيجة ابتعادها عن القرآن الكريم، وابتعادها عن النهج القويم والبصيرة السليمة التي تعينها في التفكير والتخطيط وإيجاد الحلول لكل المعضلات التي تواجهها.

القرآن الكريم كتاب حياة:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

منذ القدم، بيّن أهل العلم والوعي والمعرفة أن القرآن الكريم كتاب للحياة، وبرنامج للتحرك، ومشروع عمل ينبض بالحيوية والحركة، وخريطة للسلوك الإنساني والمدني والحضاري. تعاملوا معه معاملة الحي: يخاطبهم فيفهمون كلامه، ويخاطبون الله عز وجل من خلاله. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إذا أحبَّ أحدُكُم أن يُحدِّث ربَّه فليقرأ القرآن” .

فكان العلماء يتحدثون بالقرآن ويحدثون به، فاستنبطوا منه بصائر واضحة يستعينون بها في مسيرتهم الحياتية الحافلة بكل أشكال التحديات الدنيوية. كل معضلة تعترضهم لاذوا بالقرآن، يقلبون صفحاته ويتأملون آياته ليعثروا على حل مشكلاتهم. فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما سئل عن معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: ”يتبعونه حقّ اتّباعه“ ().

ثم جاء -من بعدهم- أجيال أساءت الفهم وضلت الطريق، وتصورت أن القرآن مجرد كتاب للطقوس الدينية الشكلية، وليس له علاقة بإيجاد الحلول للعقبات التي تواجه المجتمعات البشرية، ولا يمتلك أي رؤية في مواجهة التحديات المتعددة التي تعصف بحياة الناس والمجتمع.

فأصبح القرآن لا يعني بالنسبة لحياة الكثيرين من أبناء الأمة شيئًا، فأخذوا يتعاملون مع كتاب الله العظيم باعتباره مجموعة من القضايا الميتافيزيقية، والقصص التاريخية، والطقوس العبادية، دون الاستفادة منها في مقام التخطيط والتفكير وإيجاد الحلول لمشاكل الحياة وتعقيداتها. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إنّ هذا القرآن مأدُبَةُ اللهِ، فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم”.

منذ القدم، بيّن أهل العلم والوعي والمعرفة أن القرآن الكريم كتاب للحياة، وبرنامج للتحرك، ومشروع عمل ينبض بالحيوية والحركة، وخريطة للسلوك الإنساني والمدني والحضاري

ومن الطبيعي عندها أن يبحث الكثيرون منَّا عن “قيم ومناهج وتعاليم وبرامج للحياة” في مكان آخر، وهكذا أصبحت الأمة في ضلال وتيه وحيرة وضياع. وقد تشكَّل لها دينٌ ونهجٌ غير الذي نزل به الوحي العظيم على قلب نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): دين لا حياة فيه ولا حركة، خالٍ من المسؤولية تمامًا. كما سيطر منهج العبودية المطلقة للطغاة الحاكمين والقوى المهيمنة التي تبرِّر كلَّ موبقاتها وجرائمها على أنَّها جزء من ثقافة الدين وفكر العقيدة.

وقد بذل الطغاة الذين وصلوا إلى سدة الحكم وسيطروا على أسباب السلطة في معظم بلادنا الإسلامية جلَّ وسعهم، بمعونة دسائس القوى الاستكبارية المهيمنة، لفرض الأمر الواقع: أن يصبح وجودهم جزءًا من الدين والعقيدة، وطاعتهم من طاعة الخالق –حتى وإن مارسوا الفحشاء وظلموا العباد والبلاد.  وأصبح واقعًا مأساويًا حين نجد اليوم الجزء الأكبر من الأمة يعتبر مخالفة الحاكم الظالم في جرائمه وفساده خطلًا في الإيمان.

ولعمري، كيف استطاعت آلة السلطة وما تمتلكه من أدوات ووسائل أن تجعل أفكارها الخبيثة دينًا في مقابل الدين الذي جاء به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف استطاعوا أن يجعلوا من أمر الاستسلام لهم ولفسادهم ولعهرهم السياسي والأخلاقي جزءًا من طاعة الله وعبادته؟

لكن مما لا شك فيه أن الأدوات التي تبحث عن السلطة والسيطرة والنفوذ في المجتمع تبذل جهودًا جبارة لجعل دين عبادة الطاغوت حاكمًا ومهيمنًا على عقل الأمة. وتقوم بالترويج بأن الدين الذي نزل به الوحي الأمين على قلب النبي الأعظم لا يرتبط بالحياة وما تتطلبه من فكر وتخطيط وقرار، وأنه ليس له علاقة بما تحتاج المجتمعات البشرية من حلول لأوجاعها ومشاكلها المدنية والتقنية، وأن الدين مجرد صلاة وصيام وعبادة في المساجد، وأن القرآن الكريم مجرد كتاب يدعو الإنسان إلى الزهد في الدنيا وصرف كل جهوده على الآخرة.

إن القرآن المجيد نزل لإدارة وقيادة الحياة بل الحضارة الإنسانية. وما حدث أن الأمة أخفقت في جعل كلام الله العزيز الجبار ركيزة وأساسًا للتفكير، وعنوانًا للحركة والعمل وتحمل المسؤولية.

وسؤال مهم يطرح مع ما نراه من سيطرة التافهين والطغاة الفاسدين للمشهد في معظم بلادنا الإسلامية وتقديمهم إسلامًا ودينًا مشوهًا أيما تشويه: كيف لهذا الدين الحنيف –الذي كان قبلة الدنيا ومحط أنظارها في كل خير وحق وفضيلة، ورقي وعلم ومدنية– أن يصير غرضًا يرمى، وسبة على أهله، وعارًا على البشرية؟!

لقد كانت الأمة بالعشرات فنشرت تلك الثلة المؤمنة الحضارة، لأن قائدهم وأسوتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت آيات الله المجيدة مصدر حركتهم وتفكيرهم وشكلت كل هويتهم. أما اليوم فصارت الأمة مليارين ولكنها أمة غير متصلة بأهم مصادر المعرفة والنور لديها وهو القرآن العظيم الذي كان يجب أن يضخ الحياة في بصيرتهم ورؤيتهم، ويجعل حياتهم أكثر عنفوانًا من أجل الرقي والكمال وتنضح فيه الحياة في شتى مساراتها بالحيوية والحركة.

فما وصل إليه واقع حال الأمة من تردي وتشظي يحتاج منا جميعًا إلى التفكير الجاد وتحمل المسؤولية لتشخيص العلل ووضع العلاجات اللازمة موضع التنفيذ على الأرض، وأن نبحث جميعًا عن جذور ما نعانيه من علل وأوجاع، وعن خلفياتها وأسبابها، ونتدارس أمر نتائجها وآثارها المدمرة للدين والعقيدة والوجه الحضاري للأمة والمقدسات.

وذلك ليس من باب الترف الفكري وإنما لتحديد المسؤولية ووضع الحلول وتقديم المعالجات النافعة لكل ما تعانيه الأمة من أوجاع ومشكلات، وبذل الجهود في محاولة إعادتها إلى مجدها وغابر عهدها من العزة والكرامة، وبناء مدنيتها وحضارتها بفكرها وثقافتها وهويتها النابعة فقط وفقط من كتاب الله المجيد ونقاء آياته العظيمة وليس من أهواء البشر لا سيما من حكامه التافهين والفاسدين.

من الواضح أن البشرية بحاجة ملحة اليوم لخريطة طريق يكون فيها الحل والعلاج لما تعانيه من بؤس وتعاسة وشقاء، يكون عمادها وركيزتها الأساسية العودة إلى القيم الأخلاقية ومبادئ الخير والرحمة التي ضختها صفحات كتاب الله المجيد، وبسط قيمة العدل في المجتمعات الإنسانية لوقف معاناتها من الظلم والاضطهاد والقهر السياسي.

تشكلت القناعة بوجود وباء خطير محدق بعالمنا الإسلامي، أعظم خطراً من الحرب البيولوجية، إذ لابد من مشروع حضاري رسالي كبير ينهض بالأمة من سباتها وغفوتها وغفلتها ومرضها، ويعالج السقم المستشري في داخل جسدها، وذلك بالعودة والرجوع إلى كتاب الله المجيد. 

أن جميع آلام البشرية وأوجاع الأمم ناجمة عن ابتعادها عن هذا الكنز المعرفي الهائل، وعن نور الإيمان والعقيدة السليمة، واتباع الأهواء وسيطرة نزعاتها الشريرة. 

إن الحل للخلاص من كل أوجاع الأمة وآلامها يكمن في الرجوع والعودة إلى قيم السماء وتعاليم الدين العظيم، وذلك بالرجوع إلى رب السموات والأرض من خلال العودة الصادقة لكلماته وتوجيهاته، وجعل كتاب الله العظيم محور التفكير والمرجعية العليا للحركة.

عن المؤلف

د. راشد الراشد

اترك تعليقا