بيئة وصحة عامة

غسل اليدين قبل الطعام

تعريض اليد للماء قبل الطعام تتجاوز المقاصد الصحية التي بشّر بها المعصومون منذ أربعة عشر قرناً من الزمن، وتتحدث عن آثار غيبية على قضايا كبيرة مثل الفقر، وهو موضوع اقتصادي بحت، وايضاً؛ المشاكل النفسية مثل الكآبة، والقلق

من العادات الاجتماعية في الوقت الحاضر عند بعض المجتمعات بالعالم، غسل اليدين قبل تناول الطعام بدعوى تجنّب الفايروسات او الميكروبات، ويحرص الكثير على تناول الطعام بالملعقة لنفس الغاية، وفي التراث الإسلامي الثرّ، نصوص تتحدث عن إجراءات وقائية وصحية مذهلة خلال تناول الطعام تُعد من آداب المائدة، جاءت على رسول الله، والأئمة المعصومين، عليهم السلام.

في المقال السابق تحدثنا عن العلاقة بين آداب الطعام وسعة الرزق في ضوء النبوي المأثور: “ماافتقر بيت فيه خلّ”، وفي هذا المقال مدعوون لمكرمة أخرى باهرة من النبي الأكرم تربط بين الطعام ومكافحة الفقر وتوفر السلامة البدنية والنفسية، وهو مدعاة للتأمّل طويلاً.

أورد الشيخ الطبرسي في “مكارم الأخلاق” عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، قوله: “الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، و بعده ينفي الهمّ ويصحح البصر”.

وفي رواية عن الامام الصادق،  عليه السلام: “من غسل يده قبل الطعام وبعده بورك له في أوله وآخره وعاش ما عاش في سعة، وعوفي من بلوى في جسده”.

تعريض اليد للماء قبل الطعام تتجاوز المقاصد الصحية التي بشّر بها المعصومون منذ أربعة عشر قرناً من الزمن، وتتحدث عن آثار غيبية على قضايا كبيرة مثل الفقر، وهو موضوع اقتصادي بحت، وايضاً؛ المشاكل النفسية مثل الكآبة، والقلق، التي يعالجها اليوم علماء النفس دون أن يجمعوا على علاج ناجع ونهائي يخلّص البشرية من الاندفاع السريع نحو الانتحار هرباً من الضغوط النفسية القاتلة.

ولا ننسى أننا نتحدث عن آداب المائدة في ضوء سيرة أهل بيت رسول الله، الذين كانوا يأكلون الطعام بأيديهم، وليس كما الشائع اليوم باستخدام أداة معدنية ثم تحولت الى بلاستيكية من المواد المعاد تدويرها! فتناول الطعام باليد بعد غسلها، او بعد الوضوء، يعني أننا أمام حقيقة تجمع بين مفاهيم غيبية، ومسائل مادية ملموسة من خلال ممارسة عملية صحيحة لآداب المائدة.

 فعندما يأكل الانسان الطعام بيده المغسولة او المتوظأة –كما لو كان يتهيأ للصلاة- فانه يغمره شعور بالثقة بنفسه، فيتعالى على ما يتعرض له من هموم في حياته اليومية، ومنها قلّة ذات اليد، واحتمال الإصابة بداء ما، ثم إن الأكل مما خلقه الله من الطيبيات يشكل العنصر الرئيس لنا في نمو اجسامنا وتقوية الجهاز المناعي، ومن ثمّ؛ توفير الجو النفسي المساعد للعمل والإنتاج بنشاط مضاعف.

احياناً يشكو البعض من أنه لم يلتذّ بما يأكل، ولا يشعر بأنه يستفيد من طعامه، رغم احتوائه على عناصر غذائية ثرية، مثل البروتين، والمعادن، والنشويات، وكل مصادر الطاقة، وهو ما نلاحظه في المطاعم وايضاً؛ في البيوت المنعّمة بمختلف أصناف الطعام، المشكلة ليست في اللحوم والاسمك المشوية، ولا في الرز الفاخر، ولا في الزيوت الطبيعية مثل الزيتون، والحيوانية مثل؛ “دهن الحر”، ولا في اصناف الفاكهة والخضار التي نرى بعضها يأتينا من بلاد بعيدة، إنما من الاجواء الروحية المحيطة بهذه المائدة.

 فمن يجلس الى المائدة في البيت او المطعم، لا يحمل معه معدته فقط، وإنما يحمل انطباعاته النفسية، ومشاعره، و روحه، كل هذه ربما تكون بالاتجاه السلبي، او تكون بالاتجاه الايجابي، وهذا الاتجاه ما يدعونا اليه رسول الله، والأئمة من بعده لتكريسه في حياتنا، وتحديداً على مائدة الطعام التي طالما ننفق عليها الكثير في مثل هذه الأيام، حتى نحقق الاستفادة القصوى لما يفيدنا في الصحة البدنية والصحة النفسية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا