الأخبار

صيدليات المنازل: هروب من تكاليف الأطباء ووقوع في فخ “السوشيال ميديا”

الهدى – متابعات ..

بين رفوف خزانة خشبية في غرفة نومه، لا يحتفظ “وميض عدنان” (53 عاماً) بكتب الجغرافيا التي يدرسها، بل بـ “ترسانة” من الأدوية والمضادات الحيوية والمراهم.

وميض، كحال الكثير من العراقيين، حوّل منزله إلى صيدلية مصغرة، متجاوزاً عيادات الأطباء في رحلة البحث عن “العلاج الأرخص والأسرع”.

ويتساءل عدنان، الذي يعمل أيضاً سائقاً لمركبة حمل: “لماذا أدفع مبلغ مراجعة الطبيب وأنتظر لساعات في الطابور بينما العلاج متوفر في الصيدلية القريبة؟”.

هذه القناعة ليست مجرد توفير للمال، بل تعكس أزمة ثقة متنامية؛ حيث يرى وميض أن مراجعة الأطباء باتت “وسيلة لاستنزاف الأموال” دون نتائج نهائية، مما دفعه للاحتفاظ بكل عبوة دواء فائضة، ظناً منه أن “الجسم قد يحتاجها لاحقاً”.

هذا النمط يمتد إلى “آلاء ثامر” (41 عاماً)، وهي معلمة ترى في حقيبة يدها “إسعافاً أولياً” يضم مسكنات للأزمات السريعة.

تقول آلاء: “تبادل الأدوية بين الجيران والأقارب أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، وغايته المساعدة”، مؤكدة أن الكثيرين يفضلون نصيحة الصيدلاني أو “المجرب” على عناء زيارة الطبيب.

ورغم أن المادة (3) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم (40) لسنة 1970 تمنع الصيدلي من ممارسة دور الطبيب إلا في حالات الإسعافات الأولية الطارئة، إلا أن الواقع يشير إلى “تداخل خطير”.

الصيدلي “وعد نعيم” يقرّ بحجم الضغط اليومي، موضحاً: “أواجه زبائن يطلبون مضادات حيوية أو مهدئات (كالفاليوم) دون وصفة، وعندما أرفض، يتجهون لصيدليات أقل تشدداً”. ويحذر نعيم من أن “التشخيص الخاطئ من قبل المريض هو الكارثة الكبرى”.

ولم يعد الأمر مقتصرًا على الصيدليات، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي.، “رغد محمد” (51 عاماً) كادت أن تفقد حياتها بسبب “ثقة عمياء” بقنوات صحية على مواقع التواصل.

تقول رغد: “وصفة عامة من إحدى الصفحات سببت لي حساسية حادة في الدم، ولولا الطوارئ لتعرضت لتسمم قاتل”.

وفي سياق مشابه، تعتمد “هناء باقر” (63 عاماً) على رسائل “الواتساب” من ابنها المغترب – غير المتخصص – لتحديد جرعات أدوية الضغط والمفاصل، معتبرة إياها “البديل الأرخص” عن زيارات الطبيب الدورية التي لا تمنحها الشفاء النهائي حسب تعبيرها.

من جانبه، يصف استشاري الباطنية، الدكتور محمد خضير عبد الله، هذه الممارسات بأنها “مقامرة”. ويحذر من أن الإفراط في المسكنات المخزنة منزلياً يؤدي إلى: قرحة المعدة ومشكلات الفشل الكلوي والكبد، وإخفاء أعراض أمراض خطيرة تتطلب تدخلاً عاجلاً، وظاهرة “مقاومة الجراثيم”: حيث يفقد الجسم استجابته للمضادات الحيوية بسبب الاستخدام العشوائي، مما يجعل الأمراض البسيطة “قاتلة” مستقبلاً.

ويشدد الدكتور عبد الله، على ضرورة التمييز بين “المكمل الغذائي” والدواء، مؤكداً أن حتى الفيتامينات تحتاج لوصفة طبية لضمان الجرعة المناسبة وحماية المستهلك من المنتجات غير الخاضعة للرقابة.

وأمام هذا المشهد، أطلقت وزارة الصحة ، بالتعاون مع نقابة الصيادلة حملة وطنية بدأت في 8 نيسان 2025، وتستمر لستة أشهر، تهدف إلى رفع الوعي وحظر صرف أنواع محددة من المضادات الحيوية دون وصفة طبية حديثة، في محاولة للسيطرة على “التداول العشوائي” الذي بات يهدد الصحة العامة للمجتمع.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا