من عادة المؤمنين الحسنة البحث عن هذه المطالب، في كتب الأدعية، المساجد، المحافل، ومراقد أهل البيت، عليهم السلام، وهكذا يدور دولاب هذا النشاط اكثر كلما كان الجزاء الأُخروي أجزل، ليفيض على أرض النفس بريه الروي
ما هو أفضل عملٍ في شهر رجب وشعبان وشهر رمضان؟
من المهم أن يُطرح مثل هذا السؤال، حتى لا يقضي علينا الضمأ بينما نحن وسط هذا النهر الخلاق العذب.
قبل الإجابة، أود الإشارة لملاحظة مهمة: ورد عن أهل البيت، عليهم السلام، زخمٌ كبير من الأعمال المتنوعة في هذه الشهور، من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء وسائر القربات.
من عادة المؤمنين الحسنة البحث عن هذه المطالب، في كتب الأدعية، المساجد، المحافل، ومراقد أهل البيت، عليهم السلام، وهكذا يدور دولاب هذا النشاط اكثر كلما كان الجزاء الأُخروي أجزل، ليفيض على أرض النفس بريه الروي.
لكن، لو تأملنا، هل هذه الأعمال تُمثل أفضل شيء أم هناك غاية أسمى؟
الحق، يوجد ما هو أفضل، بل كل تلك الأعمال يجب أن توجه صوب تلك الغاية، فما هو يا تُرى؟
نكتشف الجواب من الحادثة التالية:
بعد أن أكمل النبي، صلى الله عليه وآله، خطبته الغراء، التي خطبها في نهاية شهر شعبان استعداداً لدخول شهر رمضان، ورغم ما كان فيها من التوجيه البنّاء، قام أمير المؤمنين، عليه السلام، يسأل رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن أفضل أعمال هذا الشهر.
سؤالٌ لم يكن عابراً، قدّ أختصر أهمية وغاية الخطبة.
فجاء الجواب ليقلب ميزان المفاضلة كلّه: “يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل”.
ولتوضيح النص، تصور معي المثال التالي:
تقوم بتشييد بناءٍ ضخم في منطقة تتعرض لسيول جارفة سنوياً، او أي كارثة طبيعية، فهل سيستقيم بناءك دون أن تضع اجراءات السلامة؟
من هنا نفهم أن الورع أفضل عملٍ، وهو حافظ لسائر الأعمال، إذ ما قيمة كل عملٍ لو كان بلا ورع؟ يُصبح شبيهاً بعمل إبليس الذي عبد الله آلافاً من السنين، وكانت النتيجة أن أصبح من المطرودين، وهذا حال الأعمال حين تُصبح دون حاجزٍ يمنع من معاصي الله.
وفي رواية عن أهل البيت، عليهم السلام، تعزز ما سبق من حديث، وتبين أن المحورية في مدى اجتناب الهدم، لا في السعي الحثيث (فقط) لبناء الأعمال، فتقول: “جدوا واجتهدوا، وإن لم تعملوا فلا تعصوا، فان من يبني ولا يهدم يرتفع بناؤه، وإن كان يسيرا وإن من يبني ويهدم يوشك أن لا يرتفع بناؤه”.
ومن جانبٍ آخر، أن يكون العمل (وحده) مصدر خطر، كيف؟
حين يكون غطاءً شرعياً لأرتكاب المعاصي، فبحجة العمل الصالح قد يسوغ المرء لنفسه ارتكاب الآثام، مثل شخصٍ يساعد الفقراء وفي الوقت ذاته يرتكب بعض الذنوب الكبيرة، فومضة الضمير قد اختفت من الداخل بتبرير مساعدة المعسورين!
ولهذا السبب وجدتُ نفسي مُلزماً في بيان هذا الموضوع الحساس، في أن أيَ عملٍ لا يمكن أن يعطي حصانة لأي أحد إذا كان مُحاطاً بجبالٍ من الخطايا.
لكن، لا يعني ان هذا النمط من العمل يفقد القيمة بشكلٍ نهائي، على العكس، رُبما كان سبباً في توفيق الرب عبده لترك طريق الذنوب، ومن هنا ذكرت في كتاب “رحلة النجاة”: من الخطأ – بل من الظلم – أن تقول لأحدهم: ما دمت لا تصلي اترك زيارة أهل البيت، عليهم السلام، بينما الصواب: مع زيارتك لمقام الصالحين لا تترك صلاتك. وهكذا نعود للسؤال الأول: أفضل الاعمال ما يحفظها من التلوّث، فتبقى نقية تسمو بصاحبها نحو كل فضيلة.
