الهدى – وكالات ..
في الركن القصيّ من خارطة النزوح بمدينة غزة، حيث تتقاطع قسوة الخيمة مع مرارة الذاكرة، تنبثق “قرية الأرامل” كمشهدٍ يختصر شدّة الحرب وثقل الوحدة معاً.
المكان ليس مجرد مخيم تقليدي، بل هو مساحة تتجاور فيها حكايات فقدٍ متشابهة، ووجوهٌ أنهكتها سنوات الحرب الأخيرة أكثر مما أنهكتها الحياة كلها. هنا، تحاول النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأحلامهن دفعة واحدة، ترتيب شتات حياتهن فوق أرضٍ لا تحمل إلا الرماد.
استجابة لواقعٍ قاسٍ
وأُنشئ المخيم مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في قلب حي الشيخ رضوان، وجاء كاستجابة مباشرة للظروف الإنسانية المتفاقمة.
فكرة المشروع وُلدت من رحم الاحتكاك اليومي بالنازحات، وتحديداً الأرامل اللواتي فقدن خصوصيتهن داخل مراكز الإيواء المختلطة، مما جعل الحاجة لمكان مخصص لهن ضرورة لا غنى عنها.
ويتكون المخيم من 80 خيمة تنتظم حول مرافق خدمية أساسية، ويخضع لنظام صارم يضمن الخصوصية؛ إذ خُصصت مساحة منفصلة لزيارة الأقارب الرجال، مع منع دخول الغرباء إلا لعدد محدود جداً من العاملين لتقديم الخدمات الضرورية.
الطمأنينة الممكنة
سلسبيل، أم لثلاثة أطفال (يامن، يوسف، وسلمى)، تعيش منذ استشهاد زوجها في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 خلال اقتحام مخيم جباليا، صراعاً يومياً لتأمين لقمة العيش بلا مصدر دخل.
تقول سلسبيل، وهي تسترجع رحلتها المريرة بين الملاجئ: “انتقالي إلى مخيم مخصص للنساء أتاح لي مساحة من الراحة لم أعرفها من قبل.
لم أعد مضطرة لارتداء لباس الصلاة على مدار اليوم، وأصبحت أتحدث داخل خيمتي دون أن أضطر لخفض صوتي حذراً من وجود الرجال في الجوار”.
وتضيف أن هذا المكان خلق “رابطاً غير مرئي” بين النساء، فوحدة المعاناة في تأمين الماء والطعام جعلت العبء أقل وطأة، وكأن التضامن بينهن صار الدرع الأخيرة التي تحمي ما تبقى من يومهن.
الخصوصية ليست ترفاً
من جانبها، تصف آمنة البطش العامين الماضيين بأنهما الأكثر قسوة في حياتها، حيث كانت “معلّقة” بين مراكز النزوح وغياب الخصوصية. وتؤكد آمنة أن وجود مساحة خاصة للنساء “ليس ترفاً بل ضرورة تمليها الاحتياجات اليومية”.
بالنسبة لآمنة، لم يكن الانتقال للمخيم مجرد قرار سكني، بل كان بحثاً عن بيئة أكثر تنظيماً أتاح لها الابتعاد عن صخب المخيمات العامة والعيش في نظام يوفر الحد الأدنى من الكرامة والترتيب الذي افتقدته طويلاً.
أمل في ظل الهشاشة
يسرى مهنا، التي فقدت زوجها مع بدايات الحرب، تروي بمرارة كيف عاشت عاجزة عن توفير أبسط احتياجات طفليها. واليوم، تجد في “قرية الأرامل” فضاءً يضم نساء يتشاركن الوجع ذاته.
وتختتم يسرى حديثها بتنهيدة طويلة وأمنية بسيطة، في الحصول على كفالات لأطفالها الأيتام، وتدخل المؤسسات الدولية لتقديم مساعدات مالية منتظمة، وتوفير يد تمتد لتخفيف ثقل المسؤولية التي باتت تنوء بها الجبال.
ويبقى هذا المخيم في حي الشيخ رضوان، مجتمعاً صغيراً يحاول فيه “جيش من النساء” ترميم هشاشة الأيام بعزيمة لا تخفت، محوّلات الألم المشترك إلى قوة تتيح لهن الاستمرار برغم كل ما فُقد.
