الهدى – متابعات ..
تتصاعد في الأوساط العراقية حالة من الارتياب الشعبي تجاه توجهات فرض ضريبة القيمة المضافة على كارتات شحن الهواتف وخدمات الإنترنت، حيث ينظر المواطنون إلى هذه الخطوة بوصفها زيادة في الأعباء المادية التي تثقل كاهلهم في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب قرارات حكومية تهدف إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد المطلق على عوائد النفط لتمويل الموازنة العامة، مما أعاد فتح ملف السياسة الضريبية في البلاد على مصراعيه، مثيراً نقاشاً واسعاً حول الأساس القانوني وحجم الموارد المتوقعة، فضلاً عن مدى قدرة الدولة على ضمان إدارة هذه الأموال بشفافية تمنع تحولها إلى منفذ جديد للهدر أو الفساد.
وفي هذا الصدد، يوضح الخبير الاقتصادي ضرغام محمد المسار القانوني لهذا الإجراء، مبيناً أن الوثائق المتداولة مؤخراً بشأن دراسة فرض هذه الضريبة تندرج ضمن الإجراءات المعمول بها عالمياً عند تراجع أسعار النفط، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن تطبيقها لا يمكن أن يتم عبر قرارات ارتجالية أو تعليمات إدارية، بل يتطلب حصرًا تشريعاً قانونياً أصولياً يدرج ضمن قانون الموازنة العامة، مرجحاً أن يكون ذلك في موازنة عام 2026 ليعرض على مجلس النواب للتصويت عليه وفق السياقات الدستورية، معتبراً أن أي محاولة للفرض خارج هذا الغطاء القانوني ستكون عرضة للطعن القضائي والإيقاف الفوري.
وعند النظر إلى واقع سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العراق، نجد مساراً صاعداً يعزز جاذبية هذا القطاع كهدف ضريبي، إذ تُقدر قيمة هذا السوق حالياً بنحو 910 ملايين دولار مع توقعات بنموه ليصل إلى أكثر من مليار و220 مليون دولار بحلول عام 2029، مدعوماً بانتشار الهواتف المحمولة التي يستخدمها نحو 86% من العراقيين وإطلاق خدمات الجيل الخامس وتوسع التسوّق الإلكتروني.
وبناءً على هذه الأرقام، فإن فرض ضريبة بنسبة 10% على حصة الاتصالات والإنترنت قد يوفر للخزينة نحو 59 مليار دينار عراقي سنوياً، وقد يتضاعف هذا الرقم ليصل إلى 118 مليار دينار في حال رفعت النسبة إلى 20%، وهي أرقام مرشحة للزيادة مع نمو السوق في السنوات المقبلة.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، إلا أن وزنها داخل الموازنة العامة يبقى محدوداً نسبياً، إذ لا تمثل هذه الضريبة زيادة تتجاوز 1% من إجمالي الإيرادات غير النفطية، مما يشير إلى أنها لا تشكل حلاً كاملاً للعجز المالي بقدر ما هي أداة ضمن سلة أدوات إصلاحية.
ويفتح هذا الواقع ملف العدالة الضريبية، حيث يجد المواطن نفسه ملزماً بدفع الضريبة عند كل عملية شحن، بينما تظل أبواب التهرب الضريبي والكمركي مفتوحة أمام بعض التجار وأصحاب المهن ذات الدخل المرتفع الذين يعملون خارج النظام المصرفي والفوترة الإلكترونية، وهو ما يجعل القبول الشعبي للضريبة مشروطاً بتطبيق القانون بصرامة على كبار المتهربين وربط الجباية بتحسين ملموس في الخدمات المقدمة.
أما بالنسبة للمواطن، فإن الأثر يتجاوز مجرد الزيادة السعرية المباشرة لكارت الشحن، حيث أصبحت خدمات الإنترنت والاتصال ضرورة حياتية مرتبطة بالتعليم والعمل والخدمات الحكومية الرقمية وليست مجرد ترف.
ويؤدي فرض الضريبة إلى أثر غير متكافئ يمس الشرائح الفقيرة بشكل أشد، مما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الرقمية في المجتمع.
