لم يكن العطاء المادي عند الإمام الهادي، عليه السلام، غايةً في حد ذاته، بل كان وسيلةً للتربية والتزكية. فكان، عليه السلام، يحرص على أن يصحح مفاهيم السائل، وينير بصيرته بحقيقة النعم التي يتقلب فيها، قبل أن يسد عوزه المادي، لئلا يكون العبد عبداً للدرهم والدينار، غافلاً عن النعم العظمى
إنَّ النظر في سيرة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، ليس مجرد استعراضٍ لأحداثٍ تاريخيةٍ عابرة، بل هو وقوفٌ على مصاديق التنزيل القرآني في الواقع الخارجي؛ فهم، عليهم السلام، القرآن الناطق، والترجمان الصادق للقيم الإلهية، وحينما نقف عند السيرة المباركة للإمام العاشر، علي بن محمد الهادي، عليه السلام، نجد أنفسنا أمام “منهجٍ تربويٍ” و”مسلكٍ أخلاقيٍ” فريد، صاغه الإمام في أحلك الظروف السياسية قتامةً، حيث اشتد التضييق العباسي، وكثُرت الرقابة على دار الإمام الهادي.
في تلك الحقبة، لم يكتفِ الإمام الهادي، عليه السلام، بممارسة الجود بمعناه العام، بل أسس لمدرسةٍ في “فقه الإحسان” و”صيانة ماء الوجه”، متخذاً من قضاء حوائج المؤمنين ذريعةً لتربية نفوسهم، وتثبيت قلوبهم، وربطهم بمسبب الأسباب.
تتناول هذه الورقة البحثية جانباً دقيقاً من مكارم أخلاقه، يتمثل في كيفية تعاطيه، عليه السلام، مع ذوي الحاجات والكروب، بأسلوبٍ يحفظ عزة المؤمن، ويزيل وحشة الفقر، ويكشف غمة المكروب، مستلهمين ذلك من النصوص الروائية الشريفة، ومحاولين استجلاء النكات الأخلاقية الكامنة في طياتها، لبيان كيف كان، عليه السلام، كهفاً للملوذين وأماناً للخائفين.
أولاً: مداراة الزمان وحكمة “الإغناء بلسان الغلظة“
من لطائف السيرة الهادوية، قدرة الإمام، عليه السلام، على تطويع الظروف القاهرة لخدمة المؤمنين، واستخدام “التقيّة المداراتية” لا لحفظ نفسه فحسب، بل لحفظ كرامة شيعته ومواليه. فالمتأمل في الروايات يجد أن الإمام قد يلجأ إلى تغيير “صورة الموقف” ظاهرياً ليحقق “حقيقة الكرامة” باطنياً وواقعياً.
ومصداق ذلك ما روي عن رجلٍ من الشيعة وفد على الإمام يشكو ثقل الدَين وكثرة العيال، ولم يكن عند الإمام، عليه السلام، حينها من حطام الدنيا ما يسد به خلته عاجلاً. هنا، تجلّت الحكمة الإلهية في أجلى صورها؛ إذ لم يشأ الإمام أن يرده خائباً، ولا أن يعطيه وعداً آجلاً قد يطول انتظاره، بل دبر له أمراً يجمع بين قضاء الدين وعزة النفس. قال له الإمام: “يا هذا، ليس عندنا ما يواساك، ولكن أقم عندنا، فإذا كان غداً واجتمع فلان وفلان -وذكر قوماً من وجوه أهل الدولة- فجئني وطالبني بالمال الذي عليك، وأغلظ عليَّ في القول”!
إنَّ هذا المسلك من الإمام يحتاج إلى وقفة تأمّل؛ فالمعصوم، عليه السلام، الذي هو “حجة الله”، يأذن لمواليه أن يغلظ له في القول أمام الملأ، لا لشيء إلا ليرفع عن كاهل ذلك المؤمن ذلّ المسألة، لقد نزل الإمام من مقام “المانِح” إلى مقام “المَدين”، ورفع السائل من مقام “المستجدي” إلى مقام “المطالب بحقه”، وحين نفذ الرجل الأمر، واستغل الإمام الموقف بحكمته البالغة، وصل الخبر للخليفة المتوكل، فأمر للإمام بمالٍ جزيل (ثلاثين ألف درهم) ترفعاً.
فلما قبضها الإمام، عليه السلام، لم يستأثر بها، بل قال للرجل: “خذ هذا المال فاقض منه دينك، وأنفق باقيه على عيالك وأهلك، و اعذرنا”، إن قوله “و اعذرنا” بعد أن وهبه المال كله، يمثل قمة التواضع والذوبان في حب الله عبر خدمة خلقه. هذا السلوك يجسد عملياً قوله –تعالى- في وصف الأبرار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، فالإمام آثر راحة هذا المؤمن وعزته على توقير نفسه ظاهرياً أمام العامة، معلّماً الأجيال أنَّ كرامة المؤمن عند الله أعظم من كل اعتبار، وأن قضاء الحوائج يتطلب أحياناً “حكمةً عملية” تخرج عن المألوف لتصل إلى الغاية السامية.
ثانياً: ولاية الطمأنينة وكشف الكروب عن الكادحين
من جنبات العظمة في شخصية الإمام الهادي، عليه السلام، هي تلك “الولاية الأبوية” التي كان يحيط بها بسطاء الناس وأصحاب الحرف، الذين قد تعصف بهم نوائب الدهر وجور السلاطين، لم يكن الإمام، عليه السلام، بعيداً عن هموم هؤلاء، بل كان الملجأ الذي يفرون إليه حين تضيق بهم الأرض بما رحبت.
وتبرز قصة “يونس النقاش” كشاهد عدلٍ على هذا المعنى. هذا الرجل الكادح الذي أتاه موسى بن بغا -أحد طغاة العسكر- بفصٍ كريمٍ لينقشه، فانكسر الفص في يده، فأيقن بالهلاك وتوعد نفسه بالقتل. في تلك اللحظات التي سيطر فيها اليأس والقنوط على قلب يونس، توجه شطر بيت الإمامة، قائلاً للإمام وهو يرتعد: “يا سيدي أوصيك بأهلي خيراً”.
كان رد الإمام، عليه السلام، بلسماً شافياً لروح هذا المكروب، حيث قال له بابتسامة الواثق بتدبير الله: “امض إلى منزلك، ولا يكون إلا خير”. إنَّ عبارة “لا يكون إلا خير” في وقتٍ يرى فيه الرجل الموت، تشير إلى مقام “السكينة” الذي يفيضه المعصوم على قلوب شيعته. لم يكتفِ الإمام بالدعاء، بل كشف له عن وجهٍ من وجوه الغيب واللطف الإلهي، مؤكداً له أن العاقبة ستكون لصالحه.
وبالفعل، تحول البلاء إلى رخاء، وطلب صاحب الفص كسره نصفين، فنجا يونس وغنم. إنَّ هذا الموقف يكشف عن جانبين: الأول، هو سعة صدر الإمام واستقباله لذوي المهن والحرف، وعدم احتجابه عنهم. والثاني، هو ترسيخ مفهوم “حسن الظن بالله” و”التوكل عليه” في أحلك الظروف؛ فالإمام، عليه السلام، أراد أن يربي يونس -ومن ورائه الشيعة- على أن الأمور بيد مسبب الأسباب، وأن الفزع إلى حجة الله هو السبيل للأمن والأمان، مصداقاً لقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، فهم، عليهم السلام، الأمان لأهل الأرض.
ثالثاً: شمولية الرحمة الهادوية وتأليف القلوب
إنَّ المتتبع لموارد الجود في حياة الإمام الهادي، عليه السلام، يلحظ أنَّ يده الكريمة كانت سحابةً ممطرةً لا تفرق بين أرضٍ وأخرى إلا بمقدار القابلية والاستعداد. لقد تجاوز جوده الدائرة الضيقة للموالين الخلّص، ليشمل المستضعفين والمظلومين حتى وإن لم يكونوا في بادئ الأمر من أهل البصيرة التامة بمقامه، وذلك تأليفاً لقلوبهم وجذباً لهم نحو الحق بالتي هي أحسن.
وينقل لنا التاريخ حادثة عبد الرحمن الأصفهاني، الذي كان رجلاً لا يدين بالإمامة، ولكنه صار من خُلّص الشيعة ببركة نظرة رحيمة من الإمام الهادي، عليه السلام.
يروي عبد الرحمن أنه وقف بباب المتوكل يشتكي فقراً وظلامة، فرأى الإمام، فوقع في قلبه محبته والهيبة منه، فدعا له الإمام وهو يمر به: “استجاب الله دعاءك، وطوّل عمرك، وكثر مالك وولدك”.
يقول عبد الرحمن واصفاً أثر هذا الدعاء وتلك الالتفاتة الكريمة: “فتح الله علي وجوهاً من المال، وقد بلغت من عمري نيّفاً وسبعين سنة”. إنَّ هذا “الإحسان الابتدائي” -أي الابتداء بالنوال قبل السؤال- يكشف عن منهج الإمام في استنقاذ النفوس. لقد نظر الإمام إليه نظرة “الطبيب الدوار بطبه”، فرأى فيه القابلية للهداية، فكان مفتاح قلبه هو قضاء حاجته الدنيوية ليكون ذلك جسراً لسعادته الأخروية.
هذا المسلك يعكس الخلق القرآني العظيم في مقابلة الإساءة، أو الجهل بالإحسان، لقلب العداوة أو الجفاء إلى ولايةٍ حميمة، كما في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} . فكان، عليه السلام، يرى في قضاء حوائج الناس باباً واسعاً من أبواب الدعوة الصامتة إلى الله، التي تؤثر في النفوس أكثر من ألف خطبة.
رابعاً: التزكية قبل العطية والبصيرة بالنعم
لم يكن العطاء المادي عند الإمام الهادي، عليه السلام، غايةً في حد ذاته، بل كان وسيلةً للتربية والتزكية. فكان، عليه السلام، يحرص على أن يصحح مفاهيم السائل، وينير بصيرته بحقيقة النعم التي يتقلب فيها، قبل أن يسد عوزه المادي، لئلا يكون العبد عبداً للدرهم والدينار، غافلاً عن النعم العظمى.
فقد روي عن أبي هاشم الجعفري، أنه قال: أصابتني ضيقة شديدة، فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمد، عليه السلام، فأذن لي، فلما جلست قال: “يا أبا هاشم، أي نعم الله -عز وجل- عليك تريد أن تؤدي شكرها”؟ ثم ابتدأ الإمام يعدد عليه النعم: “إن الله -عز وجل- رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل”. ثم أمر له بمائة دينار.
من لطائف السيرة الهادوية، قدرة الإمام، عليه السلام، على تطويع الظروف القاهرة لخدمة المؤمنين، واستخدام “التقيّة المداراتية” لا لحفظ نفسه فحسب، بل لحفظ كرامة شيعته ومواليه
إنَّ هذا المنهج التربوي الرصين يهدف إلى انتشال الإنسان من “ظلمة الجزع” على المفقود، إلى “نور الشكر” على الموجود. لقد أراد الإمام، عليه السلام، أن يعلم أبا هاشم -وهو من خواص أصحابه- أن الفقر المادي هينٌ أمام غنى الإيمان والعافية والقناعة. هذا التذكير بالنعم المعنوية قبل دفع الفاقة المادية هو “تأديبٌ إلهي” يعيد توازن النفس البشرية، ويجعلها تستصغر الدنيا وما فيها أمام رضوان الله.
فالإمام، عليه السلام، هنا يمارس دوره كـ “مربٍ للنفوس” لا مجرد “قاسمٍ للأرزاق”، موضحاً أن تمام النعمة هو في ولاية الله وشكره، وأن المال ظلٌ زائل، بينما الإيمان والقناعة كنزٌ لا يفنى. وهذا تأصيلٌ لمفهوم الغنى الحقيقي الذي أشار إليه القرآن الكريم بلسان الحال والمقال.
الخاتمة
ختاماً، فإنَّ السياحة في رحاب مكارم الإمام الهادي، عليه السلام، توقفنا عند حقيقة ناصعة، وهي إنَّ “الإمامة”؛ الرحمة الموصولة بين السماء والأرض، وأنَّ الأئمة، عليهم السلام، هم كهوف الورى، الذين يفزع إليهم الناس في الملمات. لقد قدم لنا الإمام الهادي أنموذجاً فريداً في “فقه الكرامة”، حيث سخّر كل الإمكانات، بل وحتى الظروف القاسية، لخدمة الإنسان وحفظ ماء وجهه، وتسكين روعه، وهدايته إلى ربه. إنَّ هذه المواقف النبيلة ليست مجرد حكاياتٍ للتبرك، بل هي مناهج حياة ودساتير عمل، تدعونا للاقتداء بها في تفقد المحتاجين بأساليب تحفظ كرامتهم، وفي بث الأمل في نفوس الخائفين، وفي ربط العطاء المادي بالتزكية المعنوية. فسلامٌ على الإمام الهادي، يوم ولد، ويوم استشهد مسموماً مظلوماً، ويوم يبعث حياً، والحمد لله رب العالمين.
