الأخبار

تطبيقات النقل في العراق؛ ثورة تكنولوجية تُعيد صياغة الشوارع

الهدى – متابعات ..

لم يعد أحمد، الموظف الثلاثيني في بغداد، يخشى ضياع الوقت على قارعة الطريق أو الدخول في “بازار” يومي حول الأجرة مع السائقين، فبضغطة زر واحدة عبر هاتفه المحمول، تصله السيارة إلى حيث يقف، بسعر محدد مسبقاً ومسار يتتبعه عبر شاشته الذكية.

وهذه الرفاهية الرقمية التي بدأت ملامحها في العراق عام 2018، تحولت اليوم إلى واقع يفرض نفسه، مغيراً وجه النقل الحضري في بلد يواجه تحديات بنيوية وأمنية معقدة.

ثورة رقمية بلمسة محلية

وبدأ التحول فعلياً حين دخلت أولى شركات النقل الذكي إلى العاصمة بغداد في تجربة وُصفت آنذاك بـ”الجريئة”.

ومع مرور الوقت، لم تكتفِ هذه التطبيقات بالبقاء، بل تكيفت مع الواقع العراقي عبر قبول الدفع النقدي ومراعاة الخصوصية الأمنية، مما شجع على ظهور تطبيقات عراقية محلية استثمرت هذا النجاح، مقللةً الكلف ومعتمدةً بشكل أكبر على الكوادر والأنظمة التقنية الوطنية.

ويقول أحمد علي (34 عاماً): “عنصر الأمان هو الجاذب الأكبر، خاصة للنساء. معرفة بيانات السائق وتتبع الرحلة والقدرة على تقديم شكوى جعلت من التطبيقات بديلاً أكثر تنظيماً في ظل غياب النقل العام المنظم”.

ولا يقتصر الأمر على الشباب؛ فالحاج أبو علي (67 عاماً) الذي يجد صعوبة في التعامل مع التكنولوجيا، يعتمد على ابنته لطلب الرحلة.

يقول بابتسامة: “ابنتي تطلب لي السيارة، وتصل التكسي حتى باب بيتي لأن قدمي لم تعد تقوى على المشي الطويل، وهذا يغنيني عن عناء الانتظار”.

زبائن التكسي التقليدي باتوا نادين

وعلى الجانب الآخر، يبدو المشهد أقل وردية للسائقين التقليديين. الكابتن تحسين الشمري، الذي قضى 15 عاماً خلف مقود سيارته الصفراء، يرى في هذه التطبيقات “عدواً لدوداً” لرزقه.

ويوضح تحسين أن “زبائن التكسي التقليدي باتوا نادرين”، مشيراً إلى أن انخفاض كلفة الرحلات في التطبيقات جذب الجميع، لكنه يرفض الانضمام إليها بسبب “الضريبة المرتفعة” التي تقتطعها الشركات، والتي لا تراعي ارتفاع أسعار الوقود وصيانة العجلة.

أما حامد الغرباوي (40 عاماً)، فيشير إلى معضلة قانونية تؤرق أصحاب السيارات الصفراء، وهي استقطاب الشركات لسيارات تحمل “أرقاماً خصوصية”.

يقول حامد بمرارة: “نحن ندفع رسوماً سنوية لوزارة النقل ومديرية المرور بصفتنا أصحاب مهنة، بينما يزاحمنا أصحاب السيارات الخصوصي عبر هذه التطبيقات دون تحمل الأعباء ذاتها”. ورغم ملاحقة مفارز المرور لهذه المخالفات، إلا أن أعدادها الكبيرة تجعل السيطرة عليها أمراً صعباً.

السيادة الرقمية.. و”التاكسي الوطني”

أمام هذا التباين، تؤكد وزارة النقل سعيها لضبط الإيقاع. ويوضح المدير العام للشركة العامة لإدارة النقل الخاص، الدكتور أحمد الموسوي، أن الوزارة تعمل على تنظيم عمل هذه التطبيقات استناداً للقوانين النافذة لضمان حقوق المواطن والسائق معاً.

ويكشف الموسوي عن توجه استراتيجي لدمج السائقين التقليديين ضمن منظومات النقل الذكي، مشيراً إلى “مشروع التاكسي الوطني” الذي أطلق عام 2025.

ويهدف المشروع إلى تحديث خدمات الأجرة ودراسة تطبيقات وطنية تدار بأطر قانونية ومهنية تعزز السيادة الرقمية وتمنح السائق العراقي أولوية في سوق العمل.

رؤية اقتصادية: نمو محفوف بالمخاطر

ومن منظور اقتصادي، يرى الخبير ضياء المحسن، أن هذه التطبيقات عززت “ريادة الأعمال” ووفرت فرص عمل مرنة للشباب، وساهمت في ترسيخ ثقافة الشمول المالي عبر الدفع الإلكتروني.

ومع ذلك، يحذر المحسن من “التهرب الضريبي” ومشكلات “تحويل الأرباح” والاعتماد المفرط على النقل الفردي بدلاً من الجماعي.

ويؤكد أن غياب الأطر القانونية المرنة قد يؤدي لخسائر واسعة، مشدداً على ضرورة فرض ضرائب عادلة تنظم السوق وتدعم النمو دون أن “تخنق” هذا القطاع الوليد.

وبين هاتف “أحمد” المتطور وعجلة “تحسين” الصفراء المنهكة، يختصر قطاع النقل في العراق قصة صراع بين التكنولوجيا والتقليد، بانتظار تشريعات توازن بين “رفاهية الزبون” و”كرامة السائق”.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا