الهدى – متابعات ..
تحول الابتزاز الإلكتروني في العراق من مجرد جريمة تقنية عابرة إلى أزمة تمس الأمن النفسي والاجتماعي معاً، وهو ما دفع جهاز الأمن الوطني العراقي لإطلاق منصة «أمين» بوصفها أداة رسمية لمعالجة واحدة من أكثر القضايا حساسية في البيئة الرقمية.
وتمثل هذه المنصة محاولة لردم فجوة قديمة بين الضحية والمؤسسة الأمنية، عبر آلية تجمع بين السرية التامة وسرعة الاستجابة والمتابعة القانونية، في ظل تساؤلات ملحة حول قدرة التكنولوجيا على معالجة جريمة ذات جذور اجتماعية ونفسية عميقة.
لغة الأرقام: ظاهرة تتخطى العزلة
وتشير البيانات الرسمية إلى أن جرائم الابتزاز لم تعد حالات معزولة؛ فوفقاً لإحصاءات وزارة الداخلية، تلقت الشرطة المجتمعية أكثر من 13,000 شكوى متعلقة بالتحرش والابتزاز عبر الإنترنت خلال عام 2024.
وتكشف الأرقام أن النساء يمثلن نحو 70% من الضحايا، غالبيتهن في الفئة العمرية بين 15 و35 عاماً.
ورغم إعلان الوزارة عن إحباط 43 حالة ابتزاز وتوقيف 40 متهماً خلال أسبوع واحد فقط في مارس الماضي، إلا أن المختصين يؤكدون أن الإحصاءات الفعلية أكبر بكثير، إذ يمنع “الخوف من العار الاجتماعي” شريحة واسعة من الإبلاغ، وهو ما دفع الشرطة المجتمعية لتقديم دعم نفسي ومعنوي لما يزيد على 9,300 ضحية لكسر حاجز الخوف.
هندسة رقمية لكسر البيروقراطية
وتتيح منصة «أمين» للمواطنين الإبلاغ عن الابتزاز من منازلهم دون الحاجة لمراجعة المؤسسات الأمنية.
وفي تصريح رسمي، أوضح المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني، أرشد الحاكم، أن المنصة اختصرت الوقت والجهد، حيث تتم معالجة البلاغات خلال 24 إلى 48 ساعة.
وأضاف الحاكم أن التطبيق مجاني بالكامل ويوفر كوداً شخصياً لمتابعة البلاغ بأمان، مع اعتماد معايير دقيقة للتحقق تشمل الصورة الحية ومكان السكن لضمان فاعلية الإجراءات.
وأشار إلى أن المنصة صُممت بإشراف مباشر من رئيس الجهاز، عبد الكريم البصري، لتكون حصناً رقمياً يحمي خصوصية البيانات بأعلى معايير الأمن السيبراني.
رؤية قانونية
من جانبه، أكد الخبير الأمني والقانوني فاضل أبو رغيف، أن منصة «أمين» تمثل منفعة ملموسة تتجاوز النمطية التقليدية، معتبراً أن جرائم الابتزاز تضاهي في خطرها جرائم الإرهاب والمخدرات لأنها تستهدف تفكيك الأسرة.
وبين أبو رغيف، أن المنصة تعتمد خوارزميات معقدة تخلق بيئة عمل تجمع بين الأسلوب الرياضي والخدمي، مما يحمي الفئات الهشة من أزمات قد تودي بحياتهم، مشدداً على أن نجاحها المستدام مرهون بدعمها بتشريعات واضحة وبرامج توعية شاملة لتصبح نموذجاً يحتذى به في المنطقة.
الوعي: خط دفاع أول
وعلى صعيد الثقافة الرقمية، يرى الكاتب والصحفي منتظر ناصر أن «أمين» خطوة نوعية لكنها تظل محدودة ما لم تترافق مع منهجية توعوية مستمرة.
فالمواطن الذي يدرك كيفية حماية بياناته يشكل “الخط الدفاعي الأول” الذي يقلل العبء عن المنصة، موجهةً مواردها نحو الحالات الأكثر خطورة. وهذا التفاعل يخلق حلقة وصل صلبة تؤسس لبيئة قانونية وأخلاقية منيعة أمام المجرمين الرقميين.
السيادة الرقمية والاستراتيجية الوطنية
وفيما يخص الأمن القومي، يفيد خبير الأمن السيبراني، الدكتور سيف الحسيني، بأن المنصة تشكل ركيزة استراتيجية في منظومة الأمن الرقمي الوطني.
فنجاحها، يقول الحسين: ليس مجرد إدارة حالات فردية، بل يكمن في قدرتها على تحليل “أنماط التهديد” وتحويل كل بلاغ إلى فرصة لتعزيز الجاهزية الرقمية للدولة.
ويؤكد الحسيني، أن توفير بيئة سرية يشجع على التعاون المستمر بين المواطن والجهة الرسمية، مما يتيح للدولة تطوير استراتيجيات وقاية وردع استباقية تحمي البنى التحتية للمجتمع الرقمي بأكمله.
ويبقى السؤال قائماً: هل بدأت الدولة فعلياً باستعادة السيطرة على مناطق الخطر الصامت؟ المؤشرات تؤكد أن «أمين» وضعت حجر الأساس، لكن المعركة الحقيقية تتطلب استكمال المسار التشريعي وتعزيز الثقة المتبادلة لتحويل التكنولوجيا إلى درع اجتماعي حقيقي.
