الهدى – وكالات ..
لم تتوقف آثار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عند حدود الدمار المادي والجسدي الذي خلفه على مدار عامين كاملين، بل امتدت لتحدث زلزالاً نفسياً مدمراً أصاب تفاصيل الحياة اليومية للسكان، مخلفاً اضطرابات عميقة قد ترافق الأجيال لسنوات طويلة.
ووفقاً لتقديرات صحية متطابقة، سجلت غزة ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الاكتئاب والانهيار العصبي، خاصة في صفوف الأطفال والنساء الذين وجدوا أنفسهم يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، بين العيش في خيام متهالكة أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الأمان والخصوصية.
وتعكس الشهادات الحية من قلب القطاع حجماً هائلاً من المعاناة، حيث يروي خليل أبو شرخ، تجربته المريرة مع “اضطراب ما بعد الصدمة” الذي يلاحقه منذ بدايات العدوان، واصفاً حالته بأنها صراع مستمر مع الخوف وانعدام الاستقرار، ما يدفع به أحياناً نحو العزلة المطلقة داخل خيمته أو تمني الخلاص من هذا الواقع المشبع بمشاهد الفقد والدمار.
وفي ذات السياق، يصف إبراهيم مصلح، كيف تحولت حياته إلى سلسلة من النوبات العصبية والصمت الطويل، مستذكراً لحظات الرعب التي عاشها خلال قصف المربعات السكنية في مخيم جباليا، ومشيراً إلى أن أصوات “المسيّرات” التي لا تفارق السماء أصبحت مصدراً دائماً للفزع، خاصة بعد رحلة نزوح مريرة تكررت 13 مرة وسط ظروف معيشية لا توفر سوى اليأس.
أما عن جرح الفقد، فتقف ياسمين المغاري، وأم علاء عسلية، كشواهد على مأساة جيل فقد سنده، فياسمين التي شاهدت استشهاد عائلتها بالكامل أمام عينيها، تعيش اليوم في دوامة من الاكتئاب الحاد وفقدان الرغبة في الحياة، بينما تعاني الخمسينية أم علاء من نوبات بكاء وتداعيات جسدية ونفسية مؤلمة بعد فقدانها ثلاثة من أبنائها، مؤكدة أن الألم النفسي يفوق طاقة الاحتمال البشري.
ولا تقتصر المعاناة على البالغين، إذ ينقل قصي حجازي، صورة مقلقة عن ابنه الشاب الذي تحول من شخص اجتماعي إلى منغلق يهرب بالنوم الطويل من واقع الحرب، في إشارة إلى تحولات سلوكية بدأت تطال شريحة الشباب واليافعين بشكل جماعي.
وتدعم الأرقام الصادرة عن برنامج غزة للصحة النفسية هذا الواقع القاتم، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 67.8% من السكان يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، فيما تعيش الغالبية العظمى من الأطفال تحت وطأة شعور دائم باقتراب الموت، حيث تظهر على 87% منهم علامات الخوف والكوابيس المستمرة.
ويحذر المختصون، ومنهم أستاذ الصحة النفسية عبد الله الخطيب، من أن انهيار الأمان النفسي سيؤدي إلى اضطرابات سلوكية طويلة الأمد، مشدداً على أن التعافي يبدأ بوقف الحرب وإعادة الإعمار، ومعتبراً أن نقص الأدوية وندرة جلسات الدعم النفسي تعيق أي محاولة للترميم الداخلي للإنسان في غزة.
وما زاد من حدة هذه الأزمة هو الانهيار الكامل للمنظومة الصحية النفسية، حيث أكد الدكتور عبد الله الجمل، مدير عام إدارة الطب النفسي، أن تدمير المستشفى الوحيد المتخصص ومراكز الرعاية الأولية، بالإضافة إلى فقدان 70% من الأدوية الأساسية، جعل تقديم الرعاية شبه مستحيل.
وتعمل الطواقم الطبية اليوم في ظروف مأساوية من مقار مؤقتة تفتقر للخصوصية، حيث يعالج مئات المرضى يومياً في غرف ضيقة، في وقت تعاني فيه الكوادر الطبية نفسها من صدمات النزوح والفقد، مما يجعل استعادة التوازن النفسي للمجتمع في غزة مهمة شاقة تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً يبدأ بتأمين الاحتياجات الأساسية وصولاً إلى بناء منظومة دعم نفسي متكاملة تنقذ ما تبقى من الأمل لدى سكان القطاع.
