تربیة و تعلیم

المراهقون ومخاطر تزييف الواقع

ما قامت به الجهات المختصة مؤخرا من حجب لبعض المواقع الضارة ومنها على سبيل المثال لعبة “اللودو”، يعد قرارا حكيما كون هذه اللعبة شكلت خطرا داهما على المجتمع كله

من المراحل العمرية الشائكة التي يمر بها الإنسان في رحلة نموّه، هي مرحلة المراهقة التي ينتقل خلالها الإنسان من الطفولة البريئة إلى المراهقة الصعبة، وسبب صعوبة هذه المرحلة تلك التغيّرات التي تطرأ على الإنسان ومنها على سبيل المثال؛ ميوله إلى العزلة، والانفصال عن الواقع عبر الأحلام البرّاقة والمزيّفة في نفس الوقت.

وإذا لم يجد المراهق من يحميه أثناء قطعه لشوط المراهقة، فهناك مخاطر حقيقية قد يتعرض لها، لذا هناك توجيهات تربوية متكررة تلزم أولياء الأمور (الآباء والأمهات ومن يحلّ محلهم)، كي يحموا أولادهم المراهقين (بنين وبنات)، من الأخطاء والمخاطر التي قد يتعرض لها ولدهم أو ابنتهم.

وما زاد الطين بلّة ظهور شبكة الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية العنيفة في عصرنا الراهن، فسابقا كان المراهقون يعيشون واقعهم الفعلي وهم في بيئة اجتماعية واقعية لا تستدرجهم إلى عالم الأوهام والوقائع المزيّفة، بل كان واقعهم حقيقيا يلمسونه لمس اليد ويرونه بالعين المجردة، ويتفاعلون معه وينشطون في هذه الأجواء الواقعية وتزداد خبراتهم بشكل واقعي، وتتطور مهاراتهم تدريجيا.

لكننا اليوم نواجه العالم غير الواقعي أو الافتراضي، عالم الإنترنيت والشوسيال ميديا ومواقع التواصل وظهور الألعاب الإلكترونية العنيفة، فهذه العوالم هي ليست واقعية بل افتراضية وأحيانا قد تبدو وهمية، لكن المراهق لا يراها بصيغتها الوهمية أو المزيّفة، بل يعتقد ويظن كل الظن بأنها العالم الحقيقي بعينه، ولذلك قد يقتنع ويؤمن بها، فتنعكس بشكل خطير على سلوكه، وتزرع في خياله وكيانه العنف ليقوم بتطبيقه في عالمه الحقيقي الذي يعيشه.

وقد وردت أخبار ومعلومات من ذوي التخصص النفسي والاجتماعي الدقيق، بأن مخاطر الألعاب الإلكترونية على الأطفال والمراهقين بشكل خاص تعدّ فعلية وحقيقية، لأن المراهق يتعامل معها كنوع من أنواع الحقيقة المؤكَّدة، ليقوم بعد ذلك بتطبيقها على واقعه، أي أنه ينقلها من العالم الافتراضي المزيّف إلى الواقع الملموس الذي يعيشه، وفي هذه الحالة قد يرتكب الكثير من الأفعال الممنوعة التي تسبب ضررا للآخرين، كأن يصبح غريب الأطوار، ولا يعترف بالواقع الحقيقي بل يهرب منه إلى عالمه الوهمي المصنوع في السوشيال ميديا.

وقد لوحظ كثير من المراهقين بعد خروجهم من قاعات الإنترنيت والألعاب الإلكترونية وهم معانون من حالة انفصام مع الواقع، وربما يجعلهم هذا العالم فرائس لمفترسين أكبر منهم عمرا وتجربة، فيوقع بهم ويجندهم لمآربه وأهدافه التي غالبا ما تكون خطيرة وتلحق الأذى الفادح بالمراهق نفسه وبالمجتمع أيضا.

ولعل ما قامت به الجهات المختصة مؤخرا من حجب لبعض المواقع الضارة ومنها على سبيل المثال لعبة “اللودو”، يعد قرارا حكيما كون هذه اللعبة شكلت خطرا داهما على المجتمع كله، وجعلت الكثير من الأشخاص ومن بينهم المراهقين يقعون ضحية الابتزاز والفساد وتجنيدهم في ارتكاب شتى الجرائم التي تصيب المجتمع بالخلل والارتباك والتراجع.

وحتما هنالك الكثير من الألعاب، ومن المواقع الإلكترونية من الأفضل للمراهقين ولعموم المجتمع حجبها و إبعاد مخاطرها عن الناس، لاسيما المراهقين الذين يتم التغرير بهم بسرعة وبلا صعوبة بحكم مرحلتهم العمرية الحساسة.

بالإضافة إلى هذه المخاطر الواضحة بتأثيراتها الصادمة، هنالك خطرا آخر لا يقل ضررا مما سبق ذكره، وهو يتعلق بهدر الوقت للمراهق وللناس عموما بلا مقابل سوى قضية اللهو واللعب وقتل الوقت بلا مقابل، وبدلا من أن يقضي المراهق تلك الساعات الطويلة التي يهدرها في الألعاب الإلكترونية وسواها، كان عليه أن يقضيها في تطوير نفسه وزيادة معلوماته والاهتمام بدروسه وموادّه الدراسية العلمية والأدبية.

لهذا هناك مسؤولية مزدوجة في مكافحة هذا المرض الواضح للجميع، المسؤولية الأولى هي الحكومية أو الرسمية، حيث أن الجهات الحكومية المعنية عليها مراقبة الأماكن التي تنتشر فيها الألعاب ويتاح فيها تواجد المراهقين كي يقضوا أوقاتا طويلة بلا فائدة، بل وهناك من يتسرب من مدرسته ويهرب من العلم والتعلّم إلى فضاءات موهومة وعوالم مزيفة تربك عقل المراهق وقد تدمر حاضره ومستقبله. هذا الأمر الشائك لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار من قبل أولياء الأمور، وهذه هي المسؤولية الثانية التي تقع على عاتق الآباء والأمهات وأولياء الأمور البدلاء، عليهم جميعا مراقبة أولادهم من دون شعورهم بذلك، ولابد أن يتم تقويم سلوكهم وحمايتهم من هذا الخطر الداهم.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا