بقلم: الدكتور راشد الراشد ..
في يومٍ من أيام الفقد الثقيلة، ودّعت البحرين واحداً من علمائها ورجالها الرساليين الذين لا يتكررون كثيراً في تاريخ المجتمعات. رحل العلامة الشيخ محمد جعفر الجمري، العالم الذي جمع بين العلم والعمل، بين الرسالة والتواضع، بين التربية والقدوة، وبين الصبر على الشدائد والقدرة على تحويلها إلى طاقة خدمة لا تنضب. رحل بعد رحلة عطاء إمتدت لأكثر من نصف قرن، تنقل خلالها بين المهاجر والمنافي القسرية، رحل بصمتٍ يشبه صمته في حياته، لكنه ترك وراءه ضجيجاً من الحزن، وصدمةً في قلوب من عرفوه أو سمعوا عنه أو نهلوا من علمه.
عالمٌ رسالي لم تغره الأضواء:
لم يكن الشيخ الجمري من أولئك الذين يتصدّرون المنابر بحثاً عن شهرة، ولا ممن يحرصون على الظهور الإعلامي أو الاجتماعي. كان يؤمن بأن قيمة العالم تُقاس بما يقدّمه، لا بما يُقال عنه. لذلك ظلّ طوال حياته يعمل في الظل، يوجّه ويرشد ويعلّم ويواسي، دون أن يلتفت إلى مكاسب شخصية أو اعتبارات شكلية.
كان يرى أن الرسالة أكبر من صاحبها، وأن العالم الحقيقي هو الذي يذوب في خدمة الناس، لا الذي يجعل الناس جسراً لعبوره نحو المكانة. ولهذا، أحبّه الناس بصدق، وثقوا به، ورأوا فيه نموذجاً نادراً للعالم الذي يعيش ما يقول، ويقول ما يؤمن به.
محطات قاسية وصبرٌ لا ينكسر:
مرّ الشيخ الجمري بمحطات صعبة، بعضها كان كفيلاً بأن يثني عزيمة أي إنسان، لكنّه لم يسمح للظروف أن تكسر إرادته. كان صلباً في المبدأ، رقيقاً في التعامل، ثابتاً في المواقف، متواضعاً في كل ما يتعلق بذاته. عرفته المهاجر والمنافي القسرية، وعرفته ساحات العمل الاجتماعي، وعرفته الحوزات العلمية، وعرفته البيوت التي طرق أبوابها المحتاجون، فوجدوا فيه أباً وأخاً ومرشداً.
لقد جاهد نفسه قبل أن يجاهد غيره، وانتصر على قسوة الحياة بتعزيز العمل والعطاء من أجل الله والدين والقيم، وعلى ضيق الدنيا بالاتساع للناس، وعلى الألم بالصبر الجميل.
ملاذ المهاجرين والمبعدين:
في سنوات الغربة والاضطراب، حين كان الكثيرون يبحثون عن سند، كان الشيخ أبو فاضل كما يعرفه وذاعت شهرته بين جموع المهاجرين والمنفيين وكذلك الزائرين إلى مقام السيدة زينب ”سلام الله عليها“ هو ذلك السند. كان بيته مفتوحاً، وكان قلبه أوسع من حدود المكان. احتضن المهاجرين والمبعدين، ووفّر لهم ما يستطيع من دعمٍ مادي ومعنوي وروحي. لم يعرف الضجر، ولم يُسمع منه يوماً تبرّم من كثرة الطلبات أو ثقل المسؤوليات.
كان يرى في خدمة هؤلاء واجباً دينياً وأخلاقياً، وكان يعتبر الوقوف معهم امتداداً لرسالته. لذلك، بقي اسمه محفوراً في ذاكرة كل من عاش تلك الفترات العصيبة، وكل من وجد فيه ملاذاً يخفف عنه قسوة الغربة.
من جيل المربين الذهبيين:
ينتمي الشيخ محمد جعفر الجمري إلى جيلٍ ذهبي من العلماء الذين جمعوا بين العلم والتربية، وبين المعرفة والقدوة. كان مربياً قبل أن يكون معلماً، وكان تأثيره في النفوس أعمق من تأثيره في العقول. لم يكن يكتفي بتدريس العلوم الدينية، بل كان يزرع في طلابه الأخلاق، والانضباط، والصدق، وروح المسؤولية.
كان يؤمن بأن العالم لا يُقاس بكمّ ما يحفظ، بل بقدر ما يغيّر. ولذلك، ترك بصمات لا تُمحى في نفوس طلابه، وفي مسارات كثيرين ممن تتلمذوا على يديه أو تأثروا به من بعيد.
قائد اجتماعي وهامة رسالية كبرى عمل دون ضجيج:
لم يكن الشيخ الجمري مجرد عالم، بل كان قائداً اجتماعياً بكل ما تعنيه الكلمة. كان يتدخل في لحظات التوتر ليُطفئ نار الخلاف، ويجمع القلوب، ويعيد التوازن للمشهد. كان صوته هادئاً، لكن أثره عميق. وكان حضوره كبيراً في المشهد الإجتماعي أينما تواجد، وكان تأثيره واسعاً.
برحيله، فقدت البحرين واحداً من أعمدتها الرسالية العالمة والعاملة، ورجلاً كان يعمل بصمت، ويُنجز دون أن يطلب تقديراً، ويقدّم دون أن ينتظر شكراً.
رحيلٌ يوجع وإرث وطن كبير يبقى:
رحل الشيخ محمد جعفر الجمري، لكن أثره باقٍ. يبقى في طلابه، في كلماته، في مواقفه، في كل يدٍ امتدت إليه فوجدت عنده العون. يبقى في ذاكرة وطنٍ يعرف قيمة رجاله، وفي وجدان مجتمعٍ يدرك أن بعض الخسارات لا تُعوّض.
إن رحيله يوجع، لكنه يترك وراءه إرثاً من النقاء والصدق والرسالية، إرثاً يذكّر بأن الرجال الذين عاشوا للناس لا يغيبون، وأن العلماء الذين حملوا الرسالة بصدق يظلون حاضرين في الوعي مهما غابوا.
إن رحيل العلامة الشيمحمد جعفر الجمري ليس حدثاً عابراً في الذاكرة البحرينية، ولا خسارة تخص عائلته أو محبيه وحدهم، بل هو غياب رجلٍ شكّل جزءاً من البنية الأخلاقية والروحية للمجتمع. رحل وهو يحمل في قلبه همّ الناس، وفي عقله همّ الرسالة، وفي سلوكه تواضع العلماء الذين لا يطلبون شيئاً لأنفسهم. ترك وراءه إرثاً من المواقف النبيلة، ومن التربية الصامتة، ومن العمل الذي لا يعرف الضجيج.
سيبقى اسمه حاضراً في الوجدان، لأن الرجال الذين عاشوا للناس لا يغيبون، ولأن العلماء الذين حملوا الرسالة بصدق يخلّدهم أثرهم قبل كلمات التأبين. لقد مضى الشيخ الجمري إلى ربّه، لكن سيرته ستبقى منارة تهدي، وذاكرة تُلهم، وشاهداً على أن الرسالية ليست خطاباً، بل حياة تُعاش بكل ما فيها من صبرٍ وعطاء.
وإذ نودّع العلامة الشيخ محمد جعفر الجمري، فإن الوفاء لروحه الطاهرة يقتضي أن نقف جميعاً وقفة تليق بمسيرته، وأن نُشيّعه كما عاش: محاطاً بالمحبّة، ومرفوعاً على أكتاف الدعاء والاعتراف بفضله. إن المشاركة الواسعة في تشييعه ليست مجرد حضورٍ شكلي، بل هي رسالة تقدير لرجلٍ أفنى عمره في خدمة الناس، ووقف إلى جانبهم في الشدائد، وترك أثراً لا يُمحى في الوجدان البحريني. فلنكن جميعاً جزءاً من هذا الوداع الكبير، ولنجعل من لحظة رحيله شهادة حيّة على مكانته في القلوب، وعلى الامتنان الذي يحمله له هذا المجتمع الذي أحبّه وخدمه بصمتٍ ونقاء.
رحمه الله برحمته الواسعة، وجزاه عن وطنه ومجتمعه وأمته خير الجزاء، وجعل ما قدّمه ذخراً له في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا جاه، بل صدق العمل ونقاء النية.
