أسوة حسنة

تجليات الإيثار والجود في سيرة سيدة نساء العالمين:  دراسة تحليلية في كرم الزهراء عليها السلام

يختبر الله صدق المنفقين بأن يطلب منهم الإنفاق مما يحبون، لا مما يستغنون عنه، وقد ضربت الزهراء، عليها السلام، أروع الأمثلة في هذا المضمار، متخطية التعلق الطبيعي للنفس البشرية بالمقتنيات الشخصية والزينة

1. المقدمة

يمثل الكرم في المنظومة الأخلاقية الإسلامية معياراً لصدق الإيمان وتجرّد النفس من الشوائب الدنيوية، وحينما نقرأ سيرة أهل البيت، عليهم السلام، نجد أن الكرم لم يكن لديهم مجرد حالة عاطفية عابرة، بل كان منهجاً ثابتاً وسلوكاً استراتيجياً يهدف إلى تربية الأمة وتزكية النفوس. وتتصدر الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، المشهد كأرقى أنموذج نسوي جسد مفهوم “الإيثار”، وهو المرتبة العليا من الكرم التي تعني تقديم الغير على النفس مع الحاجة والفاقة.

إن المتتبع لحياة الزهراء، عليها السلام، يلحظ مفارقة عجيبة؛ فهي ابنة سيد الأولين والآخرين، وزوجة بطل الإسلام، ومع ذلك عاشت حياة الكفاف وشظف العيش، ورغم قساوة الظروف الاقتصادية التي أحاطت بالمجتمع الإسلامي في تلك الحقبة، سجّلت الزهراء، عليها السلام، دوراً بارزاً في الإنفاق في سبيل الله وعتق الرقاب وإعانة الضعفاء والمعوزين، متجاوزة بذلك حدود الجود المألوف إلى فضاءات التضحية المطلقة، مما استدعى نزول الوحي الإلهي ليخلد هذه المناقب قرآناً يتلى. وستعمل هذه الدراسة على تحليل هذه المواقف استناداً إلى المدونات الحديثية والتاريخية المعتبرة.

2. التأصيل العقدي للكرم: رؤية الآخرة قبل الدنيا

قبل الخوض في التطبيقات العملية لكرم الزهراء، عليها السلام، لابد من فهم المنطلق الفكري الذي يحرك هذا السلوك. لم يكن إنفاقها نابعاً من رغبة في المدح أو التباهي، بل كان تطبيقاً حرفياً للوصايا النبوية التي زرعت في وجدانها أن المال وسيلة للآخرة لا غاية دنيوية.

وقد روي عنها، عليها السلام، نص محوري يكشف هذه الفلسفة، حيث قالت: “قال لي أبي رسول الله، صلى الله عليه وآله: إياك والبخل فإنّه عاهة لا تكون في كريم، إياك والبخل فإنّه شجرة في النار، وأغصانها في الدنيا، فمن تعلّق بغصنٍ من أغصانها أدخله النار، والسخاء شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تعلّق بغصنٍ من أغصانها أدخله الجنة”.

إن هذا النص يؤسس لقاعدة “التجسيم الأخروي للأعمال”؛ فالكرم هنا ليس مجرد فعل، بل هو “غصن” متصل بشجرة أصلها في الجنة. هذا اليقين هو الذي جعل الزهراء، عليها السلام، تنفق دون خوف من الفقر، لأنها ترى بعين البصيرة أن ما تخرجه من يدها هو الذي يبقى حقيقة، مصداقاً للتربية النبوية العميقة.

3. الإيثار في وقت العسرة: سورة الإنسان وتجليات “النذر”

لعل من أعظم مصاديق الجود هو الجود مع الحاجة، وهو ما اصطلح عليه القرآن بـ “{الإطعام على حبه} وتبرز هنا حادثة النذر الشهيرة التي خلدتها سورة “الدهر” (الإنسان).

تفيد الروايات المستفيضة أن الحسنين، عليهما السلام، مرضا، فنذر الإمام علي وفاطمة، عليهما السلام، صيام ثلاثة أيام شكراً لله إن شفيا. وحينما تحقق الشفاء وبرأ الغلامان، عمدوا إلى الوفاء بالنذر، وكانوا في ضيق شديد من العيش، فاستقرض الإمام شعيراً وطحنته الزهراء وخبزته.

عند موعد الإفطار في اليوم الأول، وقف مسكين بالباب، فأعطوه أقراص الخبز كلها وباتوا طاوين لم يذوقوا إلا الماء. تكرر الموقف في اليوم الثاني مع يتيم، وفي الثالث مع أسير. لقد تصدّقت الزهراء، عليها السلام، بقوتها وقوت عيالها ثلاثة أيام متوالية، مقدمة حاجة الآخرين على جوع أطفالها الذين كانوا يتضورون، وهذا قمة التفاني الإنساني.

فأنزل الله تعالى فيهم قرآناً يتلى وهو سورة الدهر، مادحاً هذا الصنيع بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. إن نزول السورة كاملة في حق أهل البيت، عليهم السلام، يبرهن على أن هذا الفعل لم يكن حدثاً عابراً، بل كان معياراً للكمال البشري الذي يجب أن تحتذي به الأمة.

4. أدب الضيافة والتضحية بقوت العيال: سورة الحشر نموذجاً

لم يقتصر كرم الزهراء، عليها السلام،على السائلين العابرين، بل شمل إكرام الضيف بأسلوب يحفظ كرامته، حتى لو كان ذلك على حساب راحة أهل البيت جميعاً.

ينقل لنا التأريخ حادثة رواها الرواة، مفادها أنّ رجلاً جاء إلى النبي، صلى الله عليه وآله، فشكا إليه الجوع، فبعث النبي إلى بيوت أزواجه، فقلن: ما عندنا إلّا الماء. فقال، صلى الله عليه وآله: من لهذه الليلة؟ فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: أنا يا رسول الله.

فأتى فاطمة، عليها السلام، فأعلمها بالضيف، وهنا تظهر المفاجأة في ردها، إذ لم تعتذر بقلة ذات اليد، بل قالت: “ما عندنا إلّا قوت الصبية، ولكنّا نؤثر به ضيفنا”.

يرتقي الكرم عند الزهراء، عليها السلام، ليصبح أداة للتغيير الاجتماعي وتحرير الإنسان من العبودية

إن عبارة “نؤثر به ضيفنا” تكشف عن نفسٍ سخية جُبلت على العطاء، وتوضح أن الزهراء كانت الشريك الفاعل والداعم للإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، في هذه الملاحم الأخلاقية.

5. الإنفاق مما تحب: درس في التجرد من زينة الدنيا

يختبر الله صدق المنفقين بأن يطلب منهم الإنفاق مما يحبون، لا مما يستغنون عنه، وقد ضربت الزهراء، عليها السلام، أروع الأمثلة في هذا المضمار، متخطية التعلق الطبيعي للنفس البشرية بالمقتنيات الشخصية والزينة.

لم تكتفِ بالموافقة، بل شاركت في “هندسة” الموقف، فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: “نوّمي الصبية، وأنا أُطفىء للضيف السراج”. ففعلت، وجلسوا في الظلام يوهمون الضيف أنهم يأكلون معه، بينما هم جياع. فلما أصبح، أنزل الله عليهم هذه الآية: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

أولاً: قميص ليلة الزفاف

من المعلوم أن ليلة الزفاف هي ليلة التزين والتباهي لأي فتاة، ولكن الزهراء ، عليها السلام،كانت تعيش في عالم آخر من القيم. يذكر الصفوري عن ابن الجوزي أنّها، عليها السلام، ليلة زفافها، وبينما هي في حلتها الجديدة، طرق الباب سائل يطلب ثوباً بالياً. لم تعطِهِ ثوباً قديماً، بل عمدت إلى قميص زفافها الجديد فدفعت به إليه، ولبست هي ثوبها القديم.

هذا الموقف يمثل قمة الزهد؛ فهي لم تعطِ فضول ثيابها، بل أعطت “أفضل” ما لديها في “أهم” ليلة في حياتها، مطبقة الآية الكريمة {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

ثانياً: التخلي عن أثاث المنزل الضروري

تتواتر الروايات لتؤكد أن الكرم الفاطمي طال أثاث البيت الضروري. فقد جاء في (بحار الأنوار) أنها، عليها السلام، أهدت عقدها وجلد كبش مدبوغ بالقرظ -كان ينام عليه الحسن والحسين، عليهما السلام- إلى شيخ مسكين من مهاجرة العرب، بعد أن شكا فقره للنبي، صلى الله عليه وآله.

إن التصدق بفراش الأطفال، وهو جلد كبش بسيط، يدل دلالة قاطعة على أمرين: الأول هو شدة البساطة والزهد الذي عاشه هذا البيت، والثاني هو أن الحاجة الشخصية الماسة لم تكن يوماً مانعاً من تلبية حاجة الفقير المعدم.

6. الكرم المحرر للإنسان: من الزينة إلى الحرية

يرتقي الكرم عند الزهراء، عليها السلام، ليصبح أداة للتغيير الاجتماعي وتحرير الإنسان من العبودية. القصة التالية تبرز كيف تحولت حلية ذهبية إلى سبب لحرية إنسان.

يروي الإمام الرضا عن آبائه، عليهم السلام، عن أسماء بنت عميس قالت: كنت عند فاطمة جدّتك إذ دخل رسول الله، صلى الله عليه وآله، وفي عنقها قلادة من ذهب كان أمير المؤمنين، عليه السلام، اشتراها لها من فيء له.

أراد النبي، صلى الله عليه وآله، أن يرتقي بابنته إلى مقام المقربين الذين لا تشغلهم زينة الدنيا، فقال لها ناصحاً: “لا يَغُرَّنَّك الناس أن يقولوا بنت محمد، وعليك لباس الجبابرة”.

تتواتر الروايات لتؤكد أن الكرم الفاطمي طال أثاث البيت الضروري. فقد جاء في (بحار الأنوار) أنها، عليها السلام، أهدت عقدها وجلد كبش مدبوغ بالقرظ -كان ينام عليه الحسن والحسين، عليهما السلام- إلى شيخ مسكين من مهاجرة العرب، بعد أن شكا فقره للنبي، صلى الله عليه وآله

لم تجادل الزهراء، ولم تتمسك بحقها الطبيعي في التزين، بل كانت استجابتها فورية، حيث قطّعت القلادة وباعتها، واشترت بثمنها رقبة (عبداً) فأعتقتها لوجه الله تعالى. وعندما علم رسول الله، صلى الله عليه وآله، بصنيعها، سُرَّ بذلك سروراً عظيماً.

هذا التحول السريع من “امتلاك الذهب” إلى “تحرير الإنسان” يعكس وعياً عميقاً بقيمة الإنسان في الإسلام، حيث فضلت الزهراء أن تحيي نفساً بالحرية على أن تتزين بمعدن نفيس.

7. الخاتمة والاستنتاجات

من خلال الاستعراض التحليلي للنصوص التراثية الواردة في كرم السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، نخلص إلى جملة من النتائج التي تشكل الهيكل العام لمدرستها الأخلاقية:

  1. لم يكن كرم الزهراء بذلاً للفائض، بل كان إيثاراً على النفس، وهو أعلى درجات السخاء، وقد تأيد هذا المسلك بنزول آيات قرآنية صريحة في سورتي الإنسان والحشر.
  2. تنوعت مصاديق الإنفاق لتشمل الغذاء (الخبز)، والكساء (قميص الزفاف)، والزينة (القلادة)، والأثاث (جلد الكبش)، مما يعني أن كل ما تملكه يدها هو في معرض العطاء لله تعالى.
  3. كانت مواقفها دروساً عملية لأبنائها الحسن والحسين وزينب (عليهم السلام)، وللأمة جمعاء، في أن قيمة المرء تكمن فيما يقدمه لا فيما يكتنزه.
  4. اتسمت شخصيتها بالطاعة المطلقة والتناغم التام مع التوجيهات النبوية، حيث كانت تسارع لتنفيذ مراد النبي، صلى الله عليه وآله، في الزهد والترفع عن الدنيا، محولة النصائح التربوية إلى مشاريع خيرية فورية (عتق الرقاب).

وعليه، تبقى سيرة الزهراء، عليها السلام، معيناً لا ينضب، ومنهجاً حياً يُعلّم الأجيال أن الكرم الحقيقي هو الذي ينبع من القلب الموصول بالله، المتجرد من حب الدنيا، والساعي لخدمة عيال الله.

المصادر والمراجع

  1. دلائل الإمامة، ج1، ص7.
  2. أمالي الصدوق، ج1، ص30.
  3. شواهد التنزيل، ج2، ص24.
  4. إحقاق الحق، ج10، ص40.
  5. بحار الأنوار، ج43، ص5.
  6. صحيفة الإمام الرضا، ص8.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا