يمكننا أن نأخذ من مجتمع الطفولة نموذجين، الأول طفل متعلم ومثقف ومدرَّب اقتصاديا، والثاني لم يحصل على فرصة التربية الاقتصادية الصحيحة، وسوف نلاحظ الفرق الكبير بينهما في السلوك وفي مستوى الوعي وفي السلوك الاقتصادي
قد يظن كثير من الناس أن الطفل ليس بحاجة إلى التثقيف الاقتصادي، وهو غير معني بهذا الأمر باعتباره غير مسؤول عن عائلة، بل هو غير مسؤول حتى عن نفسه اقتصاديا، فهذه القضية من مهمة الأب والأم أو ولي الأمر الذي يتحمل مسؤولية معيشة الطفل، لهذا فهو غير معني بالاقتصاد ولا يمكنه استيعاب هذا السلوك الذي قد يؤثر عليه سلبا في حياته.
ولكن عندما ننظر إلى هذا الموضوع من زاوية تربوية سوف نقرّ بأن الطفولة تحتاج إلى هذا النوع من الفهم الاقتصادي، فمثلما يحتاج الطفل إلى التربية على القيم الصالحة، وإلى فهم الأخلاق والسلوك الجيد في التعامل مع الأطفال الآخرين، ومثلما يحتاج إلى التعلّم بدءا من رياض الأطفال ثم المرحلة الابتدائية صعودا إلى المراحل الأخرى، فهو يحتاج أيضا إلى أن يتعلم الثقافة والتربية الاقتصادية التي تؤسس في عقليته لسلوك اقتصادي قويم.
هناك قضايا سلوكية اقتصادية كثيرة لابد أن يتم تثقيف الطفل عليها، فمثلا في جانب الإسراف، هل يصح أن يبقى الطفل غافلا عن أضرار الإسراف الكثيرة، لاسيما أن الله تعالى وصف المبذّرين بأنهم أخوان الشياطين كما جاء في سورة الإسراء: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} الآية 27. بالطبع من المهم أن تتأسس ثقافة عدم التبذير الإسراف في عقلية الطفل، ولابد أن تنمو هذه الثقافة في عقله حتى في المراحل العمرية القادمة.
مع العلم أن القول المأثور يقول (خذوهم صغارا) وكذلك (التعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر)، وهذا يؤكد بأن تثقيف الأطفال على السلوكيات الاقتصادية الصحيحة أمر في غاية الأهمية، لأنه يبني في الإنسان منذ طفولته قيما صحيحة وتربية اقتصادية سليمة.
وما نراه اليوم من أزمات فردية وجماعية اقتصادية سببها ذلك النقص الكبير في تقديم التعليم والتربية الاقتصادية للناس وهم صغارا أو أطفالا، حيث ترتكز حياتهم كلها على التربية الاقتصادية السليمة، لكننا في الواقع نظن أن الطفل لا يحتاج إلى هذا النوع من التربية، وهذا التصرف من الآباء والأمهات، ومن أولياء الأمور وهو تصرّف خاطئ يعود إلى أسباب أخرى منهم الكسل وعدم القدرة على تحمّل المسؤولية.
ويمكننا أن نأخذ من مجتمع الطفولة نموذجين، الأول طفل متعلم ومثقف ومدرَّب اقتصاديا، والثاني لم يحصل على فرصة التربية الاقتصادية الصحيحة، وسوف نلاحظ الفرق الكبير بينهما في السلوك وفي مستوى الوعي وفي السلوك الاقتصادي في المجتمع أو في المحيط الاجتماعي الذي يتواجد فيه الطفل، حيث نلاحظ أن الطفل غير المتعلم اقتصاديا يعاني من أزمات اقتصادية واضحة، لأنه أساسا لم يتعلم احترام الموارد ولا يجد فيها ذات أهمية عالية في حياته.
يجب ان يتم تثقيف الطفل على التعامل الصحيح سواء في البيع والشراء، وفي مسألة صرف الأموال، وأهمية أن يضع الدينار الواحد في مكانه الصحيح
هذا الشعور بعدم الأهمية ينمو ويكبر مع نمو الإنسان منذ الطفولة، بينما تجد الطفل المثقف اقتصاديا، يتصرف باهتمام كبير في قضايا التعاملات كالبيع والشراء، وفي الدخول والمبادرة في إقامة المشاريع الاقتصادية الصغير أو المتوسطة، وتكون لديه الجرأة على التنافس مع الآخرين في هذا المجال، في حين يعاني الشخص غير المتربي اقتصادية من حالة التردد، ومن الخوف في عالم التجارة أو المشاريع الإنتاجية بشكل عام، والسبب في ذلك هو القصور التربوي في المجال الاقتصادي، وهو ما يتحمله الأبوان وأولياء الأمور بشكل عام، بل حتى الجهات المعنية بالطفولة في الدولة، تقع عليها مسؤولية عدم تثقيف وتربية الأطفال اقتصاديا، ومنحهم القدرة عل التفكير السليم في هذا الجانب، ومعرفة الأضرار الشديدة التي تُلحَق به في حال مواصلة التبذير والإسراف في حياته.
لذلك يجب ان يتم تثقيف الطفل على التعامل الصحيح سواء في البيع والشراء، وفي مسألة صرف الأموال، وأهمية أن يضع الدينار الواحد في مكانه الصحيح. أما ترك الحبل على الغارب، وإهمال الطفل، وعدم تثقيفه اقتصاديا، وعدم توعيته على أهمية موارده وأنها قابلة للنقص أو حتى الانتفاء في حال التصرف الخاطئ بها، فإنها حتما ستؤدي إلى نمو الجهل السلوكي الاقتصادي في شخصيته حتى عندما يصل إلى مرحلة الاستقلال والنضوج، ودخول صراعات الحياة من أوسع أبوابها، هنا سوف يظهر التقصير الذي ارتكبه الأبوان، والجهات الأخرى المعنية، وهو تقصير مؤسف بحق الأطفال، لا يصح أن يستمر، لاسيما أننا اليوم كمسلمين نعيش في عالم سريع التقلبات وشديد التنافس مما يوجب علينا أن نثقف أطفالنا ثقافية اقتصادية فكرية وسلوكية بما يضمن لهم حياة كريمة وسليمة.
