الهدى – وكالات ..
يحل فصل الشتاء هذا العام على القرى الحدودية الجنوبية في لبنان محملاً بظروف استثنائية من القسوة، حيث تتشابك الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة مع التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، مما يضع أهالي هذه المناطق أمام معركة مزدوجة: معركة الصمود في الأرض ومعركة البقاء في مواجهة البرد وغياب الدعم الرسمي.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، يجد المواطن الجنوبي نفسه مضطراً لتحمل أعباء العيش والمواجهة وحيداً داخل دولته، في انتظار مبادرات فردية وجماعية محدودة تعمل على التخفيف من معاناته.
جهود ذاتية لمواجهة فاتورة التدفئة الباهظة
وفي القرى الأمامية، يعتمد الأهالي على جهودهم الذاتية لتأمين وسائل التدفئة في ظل النقص الحاد وارتفاع التكاليف.
ففي بلدة عيتا الشعب، وبعد تدمير منزلها، سارعت زينب عواضة، لتأمين مدفأة حطب من الأقارب، مشيرة إلى أن العائلات العائدة، التي تجاوز عددها الخمسين، تتجنب المخاطرة بالذهاب إلى الأحراج لجمع الحطب بسبب انتشار الطائرات المسيّرة، ويعتمدون على جمع الأخشاب المتبقية من ورش الإعمار أو الحقول القريبة.
وتكشف عواضة عن الكلفة الباهظة للتدفئة، حيث يصل سعر المتر الواحد من الحطب إلى نحو 75 دولاراً، وتحتاج العائلة الواحدة إلى حوالي ستة أمتار في الموسم، أي ما يعادل 450 دولاراً. ورغم الجهود المحدودة للبلديات، التي وزعت أغطية شتوية، يبقى الأمل في توفير مادتي المازوت والحطب.
من جهة أخرى، يغلب اعتماد الأهالي في الخيام على مدافئ المازوت، حيث يحتاج المنزل الواحد ما بين ثلاثة وستة براميل بتكلفة 157 دولاراً للبرميل.
ويؤكد عباس تليجي من البلدة أن التحدي الأمني يظل الأصعب، في ظل غياب الدعم المؤسساتي الفعال. أما في الطيبة، حيث يُعتمد على المازوت والغاز لنقص الحطب، فتشير أم علي فريدي إلى أن سعر مدفأة الحطب تجاوز 100 دولار، ووصل سعر قارورة الغاز إلى 17 دولاراً. وتبرز في البلدة روح التكافل الاجتماعي عبر مبادرات مثل “الصدقة اليومية” التي يقوم بها الأهالي لمساعدة بعضهم البعض.
بلديات الحدود: إمكانيات محدودة ومسؤوليات متراكمة
وتجد بلديات القرى الحدودية نفسها في مواجهة أعباء متزايدة بإمكانات محدودة للغاية، ويؤكد رئيس بلدية عيترون، سليم مراد، أن القرى تعاني من صعوبة في تأمين وسائل التدفئة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي منعت الوصول إلى الحقول لجمع الحطب، واحتلال جزء من الأرض.
وتتفاقم الأزمة مع تضرر المنازل جزئياً وعدم القدرة على الترميم وإعادة تأهيل البنى التحتية، فضلاً عن الغياب الطويل للتيار الكهربائي.
ويوضح مراد، أن البلدية تعمل على إعادة تأهيل شبكة الكهرباء بالتعاون مع “كهرباء لبنان” وتغطي جزءاً من اشتراكات الأهالي برغم ضعف مواردها.
كما أن انعدام الاستقرار الأمني أدى إلى تراجع الحركة الاقتصادية وتفاقم القدرة الشرائية. وفي ظل غياب أي خطة رسمية من الوزارات المعنية، تبقى المساعدات محدودة وتعتمد على الجمعيات الأهلية، مثل جمعية العمل البلدي، والمبادرات الفردية، إلى جانب الدعم المتواضع الذي يمكن أن تقدمه البلديات.
مبادرات مدنية لدعم أهل الأرض
وأمام هذا المشهد القاسي، تحركت مبادرات مدنية جدّية لمساندة الأهالي وتأمين وسائل التدفئة والمساعدة في ترميم المنازل قبل الشتاء.
وفي هذا الإطار، أطلقت جمعية “وتعاونوا” القافلة الأولى من حملة “يا أم البنين”، التي تسعى لتأمين مستلزمات التدفئة لما يقارب 8000 عائلة مقيمة في القرى الحدودية.
والمرحلة الأولى من الحملة، التي جاءت بتمويل كريم من قبيلة السواعد العراقية، شملت تجهيز “صوبيات مازوت” و”مدافئ غاز” لصالح 1250 عائلة مستفيدة في 31 قرية من قرى الحافة الأمامية. وتستكمل الحملة لاحقاً لتزويد العائلات المستهدفة بالمازوت والغاز والحرامات الشتوية والملابس.
بدوره، يواصل الشاب حسين صالح، عضو بلدية راميا، متابعة “حملة الدولار الواحد لدعم أهل الجنوب”، برغم إغلاق الحساب المالي الخاص بالتبرعات.
ويركز صالح حالياً على تأمين “صوبيات مازوت وحطب” للعائلات المقيمة في قراها، ومدافئ غاز للنازحين في قضائي صور والنبطية، إضافة إلى الملابس الشتوية وترميم ما أمكن من زجاج المنازل وجدران البيوت المتضررة.
وتمكنت الحملة خلال شهر واحد من ترميم 17 منزلاً، وتأمين مساعدات مالية لـ 43 عائلة، وتوفير “صوبيات” تدفئة لـ 54 عائلة، بقيمة إجمالية بلغت 18 ألف دولار.
