الأخبار

دعوات إلى خطة اقتصادية شاملة لحماية المنتج المحلي

الهدى – متابعات ..

يواجه شعار “حماية المنتج المحلي” في العراق تحديات حقيقية تكشف عنها البيانات التجارية الأخيرة، التي تشير إلى ارتفاع قياسي في واردات البلاد من تركيا والدول العربية. و

هذا الارتفاع يفاقم فجوة الإنتاج الوطني ويضع الصناعة المحلية في موقف صعب أمام المنافسة غير المتكافئة مع البضائع الأجنبية.

الاعتماد الواسع على الاستيراد

ويشهد الاقتصاد العراقي مفارقة واضحة بين الخطاب الحكومي المستمر الذي يدعو لحماية الصناعة الوطنية، والواقع العملي الذي يظهر اعتماداً واسعاً على الاستيراد، خصوصاً من دول الجوار مثل تركيا والدول العربية.

وتحوّل العراق في السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الأسواق الإقليمية التي تستقبل بضائع جاهزة تغطي مختلف القطاعات؛ من الأغذية والملابس إلى الأجهزة الكهربائية والإنشائية. وهذا الاعتماد الكبير على البضاعة الخارجية لم يقابله تطور مماثل في الصناعة الوطنية.

أرقام صادمة: تركيا وشراكة الخليج

وتكشف الأرقام التجارية الأخيرة حجم هذه الفجوة بوضوح، حيث وصلت صادرات تركيا إلى العراق حوالي 13 مليار دولار عام 2024، بزيادة مستمرة عن 11.5 مليار دولار سجلتها عام 2023.

وهذا الرقم الكبير لا يظهر فقط حجم التبادل التجاري الضخم، بل يكشف في الوقت ذاته مدى التراجع الفعلي في الإنتاج المحلي العراقي.

أما على صعيد الواردات العربية، تأتي دولة الإمارات في مقدمة الدول التي يعتمد عليها العراق، مسجلة أرقاماً ثابتة ومتصاعدة في حجم التبادل.

وقد أعلن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي أن العراق جاء خامس أكبر شريك تجاري لصادرات المجلس في عام 2024، بقيمة بلغت 36 مليار دولار، وهو ما يمثل نسبة 4.2% من إجمالي صادرات المجلس. تؤكد هذه الأرقام أن مسار السوق العراقية يسير نحو تكريس الاستيراد بدلاً من تقليصه.

غياب السياسة الصناعية وضعف التنافسية

ويرى خبراء اقتصاديون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاستيراد بحد ذاته، فالعراق يحتاج بالضرورة إلى سلع ومواد لا ينتجها محلياً، بل في غياب سياسة صناعية واضحة.

ويؤكدون أن السلع التي يمكن للعراق تصنيعها محلياً تشهد منافسة غير متكافئة مع البضائع المستوردة التي تصل بأسعار منخفضة وجودة مقبولة وتسويق فعال، في حين يواجه المنتج المحلي كلف إنتاج مرتفعة، ومشاكل في التعرفة والرسوم، ومعوقات إدارية وفنية.

ويمتلك العراق سوقاً كبيرة قادرة على استيعاب صناعات واسعة لو توفرت البيئة المناسبة، لكن عدم تشريع القوانين الاقتصادية والإجراءات الجمركية الضعيفة سمح للسلع الأجنبية بالسيطرة الكاملة على الأسواق.

دعوة إلى خطة اقتصادية شاملة بدلاً من “الشعارات”

وفي الشأن ذاته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور فالح الزبيدي، أن “الحماية الفعلية للصناعة لا تحتاج فقط إلى رفع التعرفة أو إصدار تعليمات، بل إلى خطة اقتصادية ترتكز على دعم مباشر للمصانع وإصلاح قطاع الطاقة، وتشجيع الاستثمار الصناعي عبر حوافز حقيقية لا شعارات لا تستند إلى الواقع”.

وأضاف الزبيدي أن المصانع العراقية ما تزال تعاني من غياب التكنولوجيا الحديثة، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وضعف شهادات الجودة، وهي عوامل تجعلها غير قادرة على المنافسة مع السلع التركية والعربية.

ولفت إلى أن “شعار حماية المنتج المحلي تحول إلى خطاب إعلامي متكرر دون إجراءات تنفيذية قوية”، فالسوق ما تزال مفتوحة على مصراعيها، والرقابة على المنافذ ضعيفة، وأغلب المبادرات الصناعية لا تتجاوز مستوى التصريحات.

وأشار إلى أن الاعتماد المتزايد على الواردات لا يعكس فقط ضعف التصنيع، بل يكشف غياب الرؤية الحكومية في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.

وقد باتت الأسواق العراقية تتعامل مع المنتجات الأجنبية بوصفها الخيار الوحيد القادر على تلبية الطلب من حيث السعر والتنوع والوفرة.

ومع بقاء العراق في صدارة المستوردين على مستوى المنطقة، يبدو أن التغيير ليس بالقريب ما لم تذهب الحكومة المقبلة نحو سياسات جادة تتضمن معالجة جذور المشكلة وليس ظاهرها.

فالصناعة المحلية لن تنهض بالشعارات، بل بخطة واضحة، وتمويل فعلي، وضبط للمنافذ، وتطبيق معايير تنافسية تجعل المنتج العراقي خياراً حقيقياً في السوق وليس مجرد عنوان في التصريحات.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا