ما نسمعه من خلال وسائل الاعلام المرئية والالكترونية من منجزات في بعض المرافق الاقتصادية والخدماتية، يبعث على التفاؤل والأمل نحو مستقبل أفضل، مثل؛ تشييد الجسور وفتح الطرق وتعبيد الشوارع، وافتتاح مدارس ومستشفيات ومصانع، وما الى ذلك من مشاريع إنتاجية هدفها التنمية والتطوير، هذه الصور الإيجابية يفترض المواطن أنها تترك تأثيرها الإيجابي على مستوى معيشته، وتوفر له فرص عمل، وسكن، وقدرة شرائية لشريحة واسعة من المواطنين.
وفي كل دول العالم الناهضة يكون الاستثمار فرصة للمواطنين بأن يحضوا بنتائج وآثار هذا النشاط الاقتصادي، لاسيما في مجال السكن والخدمات، إلا في العراق المعروف أنه البلد الأكثر خصوبة في النشاط الاستثماري بين دول المنطقة، والأقل فائدة عائدة الى المواطن العراقي.
السبب في هذا التناقض؛ تحول المشاريع الاستثمارية بمعظمها، الى فرص خاصة للإثراء على حساب حرمان وضنك عيش الناس، فهي تنمية ليس لاقتصاد البلد، بقدر ما هي تنمية لجيوب اشخاص مقربين لهم الزلفى عند وزراء ومدراء ومحافظين، وإلا ما السبب في تحول أرض واسعة مصممة في البلدية على أنها سكنية، وتم افرازها على شكل قطع سكنية مستقلة، الى قطعة واحدة تعطى الى مستثمر لإقامة مشروع سكني عليه؟!
في كل دول العالم الناهضة يكون الاستثمار فرصة للمواطنين بأن يحضوا بنتائج وآثار هذا النشاط الاقتصادي، لاسيما في مجال السكن والخدمات، إلا في العراق المعروف أنه البلد الأكثر خصوبة في النشاط الاستثماري بين دول المنطقة، والأقل فائدة عائدة الى المواطن العراقي.
بمراجعة سريعة الى تعريف قانون الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق نجد في النقطة السادسة، يحدد الاستثمار بأنه “توظيف رأس المال في أي نشاط أو مشروع اقتصادي يعود بالمنفعة على الاقتصاد الوطني”، فهل عادت الاستثمارات في قطاع السكن بالمنفعة للمواطن وللاقتصاد الوطني؟
وفي النقطة الثانية عشر جاء: “في المناطق الاستثمارية، كل شخص طبيعي او معنوي حاصل على إجازة استثمار للمشاريع الاستراتيجية في قطاعي بناء المدن السكنية والمناطق الاستثمارية، او أي قطاع تنموي تقع خارج التصميم الأساس تقترحه الهيئة ويوافق عليه مجلس الوزراء”، فاذا كانت المنطقة ضمن التصميم الأساس للبلدية بأنها سكنية، بأي حقّ تمنح استثمار لشخص او جهة؟ ولماذا تتنصّل الحكومة من مسؤوليتها إزاء هذه الأرض السكنية؟
في مقاطع فيديو تكلم النائب المثابر والمُجد عن مدينة كربلاء المقدسة؛ الأستاذ محمد جاسم الخفاجي بالتفصيل عن هذا الموضوع، مشيراً الى أرقام مهولة بعشرات المليارات من الدنانير تم هدرها من خزينة الدولة وحقوق المواطن لصالح اشخاص متنفذين، ونحن كمواطنين عاديين لا علينا بحجم هذا الهدر، فالمسؤول عنه؛ من تم انتخابهم في كنواب في مجالس المحافظات، او في مجلس النواب العام في بغداد، هم المسؤولون أمام الناس وأمام الله إزاء كل ما حصل من تقصير، ثم إن القضية تشمل جميع مدن ومحافظات العراق، إنما نسلط الضوء على ما يجري بالقرب منّا وحسب.
المواطن العراقي يتسائل اليوم: لماذا لا تؤدي مشاريع الاستثمار في السكن الى حل هذه المعضلة لدى أوساط محدودي الدخل، فضلاً عن الشريحة الفقيرة؟ من الطبيعي يكون الجواب: أن المستثمر هو صاحب رأس المال، والمال عزيز على قلبه! فهو يريد من وضع هذا المال في مشروع بناء مجمعات سكنية ليجني الأرباح و زيادة في ثروته، والبعض يتحدث بشكل غريب أن “الحكومة والشركات المستثمرة ليست جمعية خيرية”! ولم لا تكون الحكومة جمعية خيرية، وهي تتصرف بأموال وثروات البلد والناس بلا خوف أو وجل، والرئيس والوزير والمدير لا يتصرف بأموال أتى بها من إرث أبيه؟!
كلام في غاية الغرابة والصفاقة نسمعه بين فترة وأخرى، وهو كلام غير مسؤول بالمرة، يعكس تأثّر اقتصاد بلد إسلامي، يعيش فيه مسلمون واتباع دين ومذهب له تاريخ طويل في تطبيق العدالة الاجتماعية بأروع صورها، بالنظريات الاقتصادية الغربية التي تعطي الحق للمال وصاحبه فقط، ثم تعجز هذه الحكومة عن الضغط على الجهات المستثمرة بأن لا تحول استثمارها الى محنة جديدة في حياة الناس، وسبب للتعاسة، ومحاربة في لقمة العيش، عندما نعرف أن من يريد امتلاك وحدة سكنية في المجمعات الحديثة المدعومة من الهيئة الوطنية للاستثمار، عليه امتلاك أولاً؛ مبلغاً لا يقل عن 150مليون دينار عراقي، يعني أكثر من مائة ألف دولار أميركي! وهو رقم مريع حقاً.
على الحكومة العراقية إعادة النظر في الفرص الاستثمارية للسكن لايجاد الحلول الجذرية لهذه الأزمة، فقد تحولت أفكار مثل “المبادرة” الخاصة بتمكين المواطن لشراء البيوت، او “المطوّر العقاري” الخاص بخدمة قطع الأراضي الحديثة التوزيع، الى جانب إعلانات أصحاب المجمعات السكنية الضخمة بتمليك الدور بالاقصاط، مما تعده الحكومة فرصاً لحل مشكلة السكن، تحولت الى أزمة داخل أزمة، ونشأت بورصة جديدة لبيع وشراء المبادرات والمطورات والوحدات السكنية في المجمعات، بسبب انسحاب الحكومة ومؤسسات الدولة من الساحة وتكالب المضاربين والماربين والمستثمرين ممن لا همّ لهم سوى المكاسب والارباح وإن كانت على حساب لقمة عيش الناس.
