الهدى – كربلاء المقدسة ..
تحول قطاع الاستثمار الزراعي والعمراني في محافظة كربلاء إلى بؤرة صراع مفتوح حيث تتصاعد شكاوى الأهالي والخبراء من التجريف المتسارع للبساتين القديمة وتمليك الأراضي لمشاريع توسعية في ظل تفاقم أزمة مياه خانقة وانحسار المساحات الخضراء.
ما كان يُفترض أن يكون مشروعاً وطنياً لتعزيز الأمن الغذائي تحول إلى ملف شائك تشتبك فيه المصالح الاقتصادية بنفوذ الجهات المتنفذة.
احتجاجات “حي الرسالة” تكشف صراع الأراضي الخضراء
وشهدت كربلاء في نهاية تشرين الثاني تصاعداً في الخلاف حول أرض في حي الرسالة، حيث أعرب الأهالي عن استيائهم من الترويج لفكرة وجود “كتلة سياسية” تدعو إلى تظاهرات “وهمية” ضد مشروع استثماري في موقع كانوا يعتقدون أنه سيتحول إلى حديقة عامة.
وأكد أهالي الحي والمناطق المجاورة أن المظاهرات ليست مفبركة وأن الاعتراض تبنّاه سكان المنطقة، موضحين أن الأرض أزيلت منها العشوائيات ووُعدت بأن تصبح متنفساً.
صميم عباس، قال “نعلن احتجاجنا السلمي اعتراضاً على تحويل الأرض التي وعِدنا بأن تصبح حديقة كبيرة ومتنفساً للعوائل إلى مشروع استثماري لا يخدم سكان هذه المناطق المكتظّة، إنّ حرمان آلاف العوائل من مساحة خضراء عامة إجحاف بحق المواطنين”.
عبد الجليل إبراهيم، أكد أن إنشاء المجمعات السكنية في هذا الموقع سيزيد من اكتظاظ المدينة ولن يستفيد الفقير منها حيث ستباع الوحدات “بأسعار باهظة للأغنياء”، مشدداً على أن الأماكن داخل حدود البلدية يجب أن تكون مساحات خضراء.
حيدر الطائي، تساءل عن جدوى الاستثمار الذي يحول أراضي المعامل الحكومية إلى جامعات أو مجمعات سكنية فاخرة تُعطى “بالمجان للمستثمرين بحجة حل أزمة السكن” لتصبح لاحقاً “مجمعات للمتنفذين بأسعار باهظة”
تساؤلات حول خطة وزارة الزراعة واستنزاف المياه الجوفية
وكشف جلال الشمري عن تفاصيل الأزمة موضحاً أن الاستثمار الزراعي الذي تأسس لاستصلاح الأراضي الصحراوية بدأ يثير أسئلة جدية حول جدواه واستنزافه لموارد البلد.
وبدأت وزارة الزراعة عام 2020 بتخصيص مساحات واسعة من الصحراء لزراعة الحنطة والشعير بالاعتماد على وفرة المياه الجوفية آنذاك وتشجيع المزارعين بسعر شراء حكومي سخي.
ووفقاً للشمري، فتح هذا النجاح الظاهري الباب أمام متنفذين ومستثمرين كبار للاستحواذ على مساحات ضخمة من الأراضي حتى امتدت مشاريعهم إلى حدود محافظات أخرى.
ورغم شح مائي غير مسبوق وانخفاض مناسيب المياه الجوفية ودجلة والفرات سمحت الدولة باستمرار هذه المشاريع على الرغم من أن جدواها الاقتصادية “أقل بكثير من حجم الموارد التي تستهلك فيها”.
وأشار الشمري، إلى أن مشاريع كبرى مثل الحزام الأخضر الذي أنفقت عليه مليارات الدنانير لحماية المدينة من الغبار تعرضت لمحاولات “ابتلاع” حيث أصبحت ملكاً لجهات دينية (العتبات) بعد أن كانت شريكاً تشغيلياً والأمر ذاته يتكرر في مشاريع الثروة الحيوانية التابعة لمديرية الزراعة.
وخلص الشمري، إلى أن المشهد الزراعي يعاني من تراجع سببه حصول متنفذين على فرص استثمارية بطريقة غير شفافة مما يهدد مستقبل الزراعة في ظل أزمة مياه خانقة
التجريف مخالفة قانونية تهدد الفلاحين
من جانبه أكد الإعلامي ياسر الشمري، مسؤول إعلام الجمعيات الفلاحية التعاونية، أن الاستثمار في الأراضي الزراعية يحقق عوائد مالية ضخمة لكنه يحمل وجهاً خطيراً يتمثل في تأثيره المباشر على البيئة والغطاء النباتي.
وبين الشمري، أن العديد من المشاريع الاستثمارية تبدأ بتجريف البساتين وما تحتويه من أشجار نخيل وفاكهة وتحويلها إلى أراضٍ خالية وهو ما يعد مخالفة قانونية صريحة لأن جنس هذه الأراضي زراعي.
ودعا الدولة إلى تشريع قوانين صارمة وتفعيل القوانين القائمة لمنع تجريف البساتين وتجزئتها وحماية الأرض الزراعية والمساحات الخضراء التي تعد رئة المدينة.
دعوة للتدقيق الأمني وإيقاف الفوضى العمرانية
وعبّر يوسف الموسوي، ناشط ومراقب للشأن المحلي، عن استيائه الواسع من التجاوزات على أراضي الدولة والمساحات الخضراء حيث تتحول البساتين والحدائق إلى بيوت ومعامل وفلل وقصور تقام لمصلحة متنفذين بعيداً عن تطبيق القانون.
وحذر الموسوي، من أن بعض المتجاوزين يبنون على الأراضي العامة، معتقدين أن الدولة ستضطر لتمليكهم “بحكم الأمر الواقع”، مؤكداً أن هذه الفوضى العمرانية تمارس ضغطاً كبيراً على المدينة وتشوه تخطيطها.
وشدد على ضرورة التدقيق الأمني في ملفات السكن، داعياً إلى اتخاذ إجراءات قوية وحاسمة توقف هذا العبث قبل الوصول إلى مرحلة يصعب تداركها.
