الهدى – بغداد ..
بات الاحتيال المالي الإلكتروني يمثل تهديدًا متصاعدًا في العراق حيث تتحول القصص الفردية مثل قصة الموظف أيمن، الذي فقد مليونا وستمئة ألف دينار خلال دقائق عبر مكالمة هاتفية، موجهة إلى جزء من ظاهرة أوسع تستغل الثقة المتزايدة بالتطبيقات المالية وضعف الوعي الأمني، وهذه الجرائم أصبحت الأسهل والأسرع والأكثر انتشارًا مستهدفة المواطنين والتكوين الهيكلي للقطاع المصرفي.
المواطن يدفع ثمن “التسرّع والخدعة النفسية”
وخلال جولة في عدد من مكاتب الصيرفة في بغداد، أكد أصحاب المكاتب أنهم يرصدون يوميًا حجمًا غير مسبوق من حالات الاحتيال خاصة تلك التي تعتمد على الهندسة الاجتماعية وإيهام الضحية بالتعامل مع جهة رسمية.
ويقول أبو حسن، صاحب مكتب صيرفة في الكرادة “يومياً نسمع عن زبون أو اثنين فقدا مبالغ بسبب مكالمة أو رابط المشكلة الأساسية أن الناس تستعجل وتصدق أي اتصال يحمل شعار بنك أو شركة معروفة”.
وأجمع أصحاب الصيرفة على أن المحتالين يتحركون بسرعة مذهلة فبعد سرقة الرصيد يتم تحويله على الفور إلى سلسلة حسابات ومحافظ رقمية متعددة ما يجعل تعقّب الأموال مهمة شبه مستحيلة حتى لو كان الإبلاغ مبكرًا.
الهجوم يعتمد على “الثغرة البشرية”
ويشرح الدكتور عمار العيثاوي، المتخصص في الأمن السيبراني وأستاذ بجامعة النهرين أن أساليب الاحتيال الحالية تعتمد على التلاعب النفسي أكثر من الاختراقات التقنية المعقدة.
ويقول الدكتور العيثاوي “أساليب الاحتيال تدور حول خداع المستخدم أكثر من خداع النظام، المحتال يقنع الضحية بتحويل أمواله بنفسه إلى حساب آمن وهمي هذه ليست ثغرة تقنية بل ثغرة بشرية”.
كما أشار إلى وجود أنواع أخرى تعتمد على بيانات مسرّبة من الإنترنت المظلم انتشار منصات استثمار وهمية وصفحات علاقات عاطفية مزوّرة لجمع الأموال.
وأكد أن المؤسسات المالية تعتمد على أنظمة حماية متطورة لكنه شدد على أن: “أقوى وسيلة للحماية هي وعي المستخدم لأن الأنظمة لا تستطيع حماية شخص يعطي بياناته للمحتال بيده”.
من جانبه أوضح المهندس أحمد عبد العظيم عضو مؤسس نقابة المبرمجين العراقيين أن “أغلب الهجمات ليست معقدة بل تبدأ من رابط خبيث أو صفحة تسجيل دخول مزيفة أو تطبيق غير رسمي يُنصَّب على الهاتف”، داعيًا الشركات التقنية العراقية إلى الاستثمار في حماية التطبيقات المحلية.
جهود البنك المركزي ونصائح للحماية
وأوضح علاء الفهد، عضو المكتب الإعلامي في البنك المركزي العراقي، أن البنك اتخذ عدة إجراءات للحد من هذه الظاهرة شملت تعزيز منظومات الأمان الإلكتروني وإصدار تنبيهات دورية للمصارف بمتابعة الصفحات المزوّرة والتعاون مع الأمن الوطني والإعلام والاتصالات لملاحقة شبكات الاحتيال وحجب المواقع المشبوهة.
كما قدم البنك المركزي نصائح أساسية للمواطنين، ومنها عدم مشاركة رمز البطاقة أو رمز OTP مع أي جهة التأكد من أن الموقع الرسمي يبدأ بـ https وعدم الضغط على روابط مجهولة والإبلاغ الفوري عند أي محاولة احتيال.
وأكد الفهد أن استرداد الأموال ممكن فقط في حال الإبلاغ المبكر جدًا قبل أن تنتقل الأموال بسرعة عبر سلسلة حسابات وهمية
الإطار القانوني: جرائم رقمية وقوانين قديمة
وفي الجانب القانوني، أوضح الخبير محمد جمعة، أن الإطار القانوني العراقي لا يزال يعتمد على مواد قديمة من قانون العقوبات حيث يتم تكييف الاحتيال المالي الإلكتروني وفق المادة 456 المتعلقة بالاستيلاء على المال بطرق احتيالية.
ويقول جمعة، “نحن نتعامل مع جرائم رقمية بقوانين وُضعت قبل ظهور الإنترنت”، مشيراً إلى غياب تشريعات حديثة تعالج كيفية جمع الأدلة الرقمية وتحديد كيفية تتبع الحسابات الرقمية.
وشدد الخبير القانوني، على أن الأهم من تشديد العقوبات هو صياغة قانون خاص بالجرائم الإلكترونية يواكب التطور
تهديد اقتصادي: ضرب الثقة بالنظام المصرفي
كما شدد الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج، على أن انتشار الاحتيال يضرب صلب النظام المصرفي ويفاقم أزمة الثقة بين المواطن والقطاع المصرفي، مما “يُضعف من نجاح الدفع الإلكتروني ويعرقل التحوّل نحو اقتصاد عصري”.
من جانبه رأى نوار الساعدي، أستاذ في الاقتصاد الدولي أن الاحتيال المالي الإلكتروني تحول إلى تهديد اقتصادي حقيقي حيث يدفع المواطنين للابتعاد عن الخدمات المصرفية والاعتماد على التعامل النقدي.
وحذّر الساعدي من انه “عندما تتراجع الثقة بالنظام المالي تتقلص الودائع وتنخفض قدرة المصارف على الإقراض وتصبح بيئة الاستثمار طاردة للمستثمرين”.
ودعا الساعدي، الحكومة المقبلة إلى التحرك السريع لتطوير الأمن السيبراني وتحديث أنظمة الحماية وتشريع قوانين صارمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
