الحبل الوحيد الذي انقذ العراقيات من الغرق نفسياً واجتماعياً؛ الولاء لأهل البيت، عليهم السلام، وهذا ما كنا نلاحظه في الغالبية العظمى من العراقيات، وتحديداً من الساكنات في الأرياف والقرى، او الساكنات في المدن
جميلٌ كان وصف المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي للأم العراقية بأنها الوحيدة التي تحملت أعباء التربية الحسنة للأبناء في ظل قسوة الحروب والظروف الاقتصادية والسياسية في العهد البائد، و”كل ما نجده اليوم من إيمان و ولاء لأهل البيت، عليهم السلام، ومن التزام بالقيم الأخلاقية والدينية، يعود الفضل فيه بدرجة كبيرة الى جهاد الأم العراقية طيلة السنوات الماضية”.
وقبل الحديث عن المشروع التربوي الذي تقف المرأة (الأم) في مقدمة المسيرة، ونضيف بعض الشيء على ما أفاض به العلماء والخطباء والباحثين من أفكار وتوجيهات سديدة، أرى من الجدير الإشارة الى حقيقة مرّة عاشتها معظم النسوة العراقيات في سنوات الحرب والحصار الاقتصادي، وحديثنا عن جيل التسعينات، أي ما قبل جيل الانترنت، فقد تركت قسوة الحياة آثاراً بليغة في روح ونفسية المرأة، مما خلق لديها انطباعات وسلوكيات لم يعهدها المجتمع العراقي من قبل.
هذه المرأة التي يفترض وفق الفطرة الإلهية أن تكون محمية من الرجل، وجدت الرجل إما منقاداً الى سوح القتال ومعسكرات الإذلال، أو مطارداً ومعتقلاً لأسباب عديدة لا يجهلها القارئ اللبيب، فاذا شاءت الاقدار عودته، فهو إما مطروحاً في جنازة، وقد فقد روحه، أو منهكاً ومهاناً وقد فقد كرامته وشخصيته، بما يعني أن عليها شطب مسؤولية توفير السكن والغذاء ومستلزمات العيش من هكذا رجل، ومن ثمّ؛ فان هذه المسؤولية تتحملها هي لوحدها.
فالمرأة الضعيفة بالأساس، أصبحت أكثر ضعفاً وحساسية من كل شيء في الحياة، مما ألهب في نفسها مشاعر القلق، والشك، والخوف، والكراهية، والغضب لأبسط الأسباب، ومن أجل التغلّب على هذه الحالة النفسية السيئة، لاحظنا انتشار ظاهرة السحر، والشعوذة، والحسد، والكذب لتوفير أكبر قدر ممكن من الحصانة لجدار الأسرة المهشّم والحصول على لقمة العيش بعيداً عن عيون الآخرين!
الحبل الوحيد الذي انقذ العراقيات من الغرق نفسياً واجتماعياً؛ الولاء لأهل البيت، عليهم السلام، وهذا ما كنا نلاحظه في الغالبية العظمى من العراقيات، وتحديداً من الساكنات في الأرياف والقرى، او الساكنات في المدن، ومن ذوات المستوى الاقتصادي والثقافي الجيد، الجميع كُنّ يلجأن الى العتبات المشرفة للأئمة المعصومين، وأبنائهم في مختلف بقاع العراق للتزوّد بالعطاء المعنوي بعد أن عزّ عليهم العطاء المادي في حياتهنّ.
بيد أن العقيدة والميل العاطفي الى ظلامات أهل البيت، عليهم السلام، وقضاياهم التاريخية لم تكن لتؤثر على الوضع النفسي الراهن، مما ساعد لتسلل تلك الانطباعات السيئة عن الحياة بشكل عام، الى المرحلة الجديدة، حيث الحرية المطلقة، و زوال هواجس “جيش القدس”، و”وكيل الأمن”، ومختلف اشكال الرعب والقلق، حتى سنوات الإرهاب الدموي، تجاوزتها المرأة العراقية والعراقيون بشكل عام بسلام مع غير قليل من الصبر والتحدي حفاظاً على مكاسب التغيير الكبير.
تحدي التغيير قبل التربية
الأم العراقية اليوم أمام تحدٍ تاريخي وأخلاقي عظيم له جانب حضاري ايضاً، في أن تجرّب هي بنفسها التغيير الذاتي بعد كل هذه التغييرات التي عاشتها منذ 2003، اذ ليس من المعقول أن تبقى متمسكة بنمط تفكير يعود الى عهود ماضية وظروف اجتماعية واقتصادية عفى عليها الزمن، وهي تعيش اليوم الحرية والانفتاح والأمن والاستقرار، وصار بإمكانها أن تقول وتعمل كل شيء، إنما يحتاج الأمر الى إرادة وشعور عالٍ بالمسؤولية إزاء الجيل الجديد، وقبلها إزالة كل ترسبات الماضي والذكريات المريرة، ومحاولة إبعاد الأبناء عن تلك الحقبة السيئة، وإضاءة شموع الأمل والتفاؤل في طريقهم، وأجد هذا من أروع حالات التضحية والبطولة لكل أم تدّعي لنفسها الدور المحوري في الأسرة والمجتمع.
إن المرأة والأم في العراق ليست وحدها اليوم، وهذه حقيقة يجب ان تعرفها جيداً، فهي ليست قبل ثلاثين او أربعين عاماً عندما كانت تستجمع قبضتها الضعيفة لعجن الطحين وصناعة الخبز داخل البيت، وعندما كانت تضع الفلس على الفلس لتوفير لقمة العيش، وتستغني عن الكماليات في البيت وتبيعها لتوفير العلاج ومستلزمات الدراسة للأولاد، في ظل رواتب هزيلة لا تكفي لأيام معدودة، بينما اليوم الى جانبها الرجل بكامل شخصيته وقدراته وموارده المالية المختلفة، والى جانبها الأبناء مع كل الفرص المتاحة لهم من تعليم مجاني، ثم تعيينات، وفرص عمل لا تُحد، ولو بنسب معينة، ولكنها جيدة في كل الأحوال.
وهذا يعني أنها مطالبة اليوم بإجراء تغييرات جذرية في المنظومة الفكرية والسلوكية لتكون قادرة وناجحة في دورها التربوي المطلوب، وأول خطوة في هذا الطريق؛ غضّ النظر عن فكرة التفوق والتطاول في المجتمع، لاسيما فيما يتعلق بالفتيات من الأبناء، وبنسبة اقل في الأولاد، بأن يكون رجلاً وبطلاً على حساب حقوق الآخرين.
ليس من مصلحة الفتيات ولا الأولاد بشيء مطلقاً اذا تمسكوا بمشاعر القلق والحذر ممن حولهم، بأنهم ربما يكونوا سبباً في خسارة فرصة العمل او التفوق في الدراسة، وعليه لابد من التقوقع والانطواء، وإن تطلب الأمر ممارسة شيء من النفاق والكذب والازدواجية بغية الحفاظ على بعض المكاسب، واستبدال كل هذه المشاعر السلبية بمشاعر الحب والودّ، وتفعيل قيم التعاون والتكافل، وكل القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحقق النجاح للأبناء وللمحيطين بهم بما يوفر السعادة للجميع.
الأم العراقية اليوم أمام تحدٍ تاريخي وأخلاقي عظيم له جانب حضاري ايضاً، في أن تجرّب هي بنفسها التغيير الذاتي بعد كل هذه التغييرات التي عاشتها منذ 2003، اذ ليس من المعقول أن تبقى متمسكة بنمط تفكير يعود الى عهود ماضية وظروف اجتماعية واقتصادية عفى عليها الزمن
هذا التغيير والتقويم في مفصل أساس بالكيان الاجتماعي، من شأنه الاسهام مباشرة في معالجة الكثير من الظواهر السلبية الباعثة على القلق وعدم الاستقرار بسبب التحلل من الالتزامات الدينية والأخلاقية، وحتى الآداب في بعض الأحيان بسبب إطلاق العنان للفتيات والشباب يفعلوا ما يحلو لهم تطبيقاً لمقولة غير صائبة وغير عقلية بالمرة: “ليتمتعوا بما لم نتمتع به من قبل”، ولمناقشة هذه الفكرة نحتاج الى بحث يخرجنا من سياق الموضوع.
شكر و عرفان
هنا يجدر بنا إسداء الشكر والامتنان لجهات عدّة أسهمت في ضخ الوعي الديني، ونشر القيم الأخلاقية والآداب الاجتماعية بين أوساط الشباب بشكل عام، وفي الوسط الجامعي بشكل خاص، هذه الجهود المباركة تأتي لتعضيد دور الأسرة والأم العراقية التي نعقد عليها الأمل الكبير لأن تحمي الجيل الجديد من تحديات عاصفة في ظل تقينة الاتصال المتطورة باستمرار، والتي تفتح يومياً أبواب متاهات جديدة على الأبناء، الصغار منهم والكبار.
- علماء الدين وابنائهم، من خلال الحضور الموفق في الجامعات، ومن خلال النشر على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة العفّة والعباءة الزينبية بين وثقافة الورع والتقوى لدى الشباب، ونخصّ بالذكر؛ أبناء المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي؛ السيد مرتضى المدرسي، والسيد محسن المدرسي، لحضورهم المميز والفاعل بين الطلبة والطالبات لبحث مسائل تشغل بال الشباب، وتضيئ لهم الطريق الصحيح نحو العقيدة الصحيحة والأخلاق والآداب والثقافة الإسلامية الأصيلة.
- خطباء المنبر الحسيني على طول أيام السنة، لاسيما في المناسبات الدينية مثل أيام شهر رمضان المبارك، وأيام عاشوراء والأربعين، والأيام الفاطمية، وهم يقدمون القدوة الحسنة والنموذج الأمثل للمرأة الناجحة، وايضاً؛ الرجل الناجح في الحياة.
- العتبات المقدسة في العراق، ونخصّ بالذكر؛ العتبتان؛ الحسينية والعباسية على مبادراتها المستمرة لإقامة حفلات التخرّج الجماعي للفتيات الجامعيات من مختلف مدن العراق، في مشاهد رائعة لحشود الفتيات المرتديات العباءة الزينبية، وهنّ يحتفلن بتخرجهن من الجامعة على جوار المراقد المقدسة، لإحكام الربط بين الإيمان والعلم، وبين العفّة والعمل.
هذه المبادرات والنشاطات العظيمة تمثل فرصة تاريخية وذهبية تساعد الأم العراقية اليوم لأن تكون الأم المثالية في عموم العالم الإسلامي، بل العالم كله، دون مبالغة في الموضوع، لأننا في بلد يحيط بنا تراث عظيم من ثقافة أهل البيت، عليهم السلام، ببركة وجود مراقدهم المشرفة، مع وجود عدد كبير من العلماء والخطباء والباحثين في الشأن الاجتماعي والنفسي، مع تاريخ مشرّف من تحدي الظلم والطغيان والانحراف طيلة العقود الماضية، ولا أدلّ على هذا من استمرار وجود الالتزام بنسبة جيدة بالأخلاق والآداب والتقاليد الاجتماعية الحسنة بين عامة افراد المجتمع، مما يجب أن تتسع أكثر وتترسخ لتكون عصيّة على كل فكرة وافدة، او ثقافة هجينة مستوردة.
