الأخبار

أزمة التعيينات: شباب العراق يواجهون “إهدار الطاقات” والعمل خارج التخصص

الهدى – متابعات ..

بعد أشهر قليلة من تخرجه من كلية الآداب قسم التاريخ، وجد أحمد محمد، نفسه أمام واقع قاسٍ يفرض عليه التخلي عن أحلامه الأكاديمية والوظيفية التي رسمها لنفسه على مدار سنوات الدراسة الجامعية.

كان أحمد يحلم بوظيفة حكومية مستقرة ضمن تخصصه، لكن الحاجة الماسة للمال والضغط الاجتماعي الرافض لوصم “عاطل عن العمل” دفعاه لاتخاذ مسار مختلف بالكامل؛ حيث خطرت له فكرة فتح محل لتجهيز الملابس النسائية.

يروي أحمد قصته بمرارة، مؤكداً أنه تخلى عن طموحاته بسبب الظروف، مشيراً إلى أن رحلته لم تكن سهلة، إذ تمكن من جمع رأس المال الأولي بجهد كبير لفتح محله منذ عامين، اعتمد فيه على توفير البضائع بصيغة الدفع الآجل، ويضيف: “شرعت فيه وأنا مديون، وما زلت”.

ورغم نجاحه النسبي في تأمين مصدر رزق وإنقاذ نفسه من فخ البطالة، إلا أن شعوراً بالندم يلازمه، فهو يرى أن أربعة أعوام من الدراسة الجامعية في تخصص التاريخ قد ضاعت سدى، وبدأ ينسى تفاصيل تخصصه شيئاً فشيئاً، مؤكداً تحول مسيرته بالكامل نحو تجارة الملابس النسائية، مبتعداً عن عالم الآداب الذي طمح يوماً أن يمارس تخصصه فيه.

قصة أحمد ليست استثناءً، بل هي جزء من مشهد أوسع يعكس معاناة آلاف الخريجين العراقيين الذين تتصارع داخلهم مشاعر الإصرار على مواجهة الظروف الصعبة، ومرارة الابتعاد القسري عن التخصص الذي أحبوه ودرسوه.

هذا المشهد يتكرر بشكل دائم أمام مجلس الخدمة الاتحادي في بغداد ومؤسسات الدولة الأخرى، حيث يقف العشرات من حملة الشهادات العليا وخريجي الجامعات مطالبين بشمولهم بالتعيينات الحكومية.

سارة ثائر، 38 عاماً، ماجستير إعلام، عاشت تحديات وانتكاسات كثيرة بعد تخرجها. تقول ثائر إنها أحبت تخصص الإعلام ورغبت في ممارسته عبر وظيفة حكومية، لكن الانتظار الطويل لم يثمر عن شيء، مما دفعها للمشاركة في التظاهرات المطالبة بالتوظيف احتجاجاً على تباطؤ الحكومة وإهمالها لمستقبل الخريجين.

وتتابع سارة حديثها: “كنت في ورطة، كنت عاطلة وكان عليّ البحث عن عمل لتوفير احتياجاتي، لا سيما أن أمي سيدة طاعنة في السن، وإخوتي لديهم أسرهم ويكفيهم ما يعانونه”.

أدركت ثائر أن السبيل الوحيد أمامها هو إيجاد فرصة عمل بعيدة عن تخصصها، فاضطرت للعمل في إدارة مكتبة استنساخ ومستلزمات مدرسية، بعدما تأكدت أن الوظيفة الحكومية لن تتحقق وأن الانتظار مجازفة خطرة ومؤلمة.

وترى سارة أن العمل بغير تخصصك يعني أن تتحمل وجودك الذي لا يشبه غيرك في هذا المكان، وتتذكر كيف تركت عملاً سابقاً في شركة للتصدير بسبب شعورها بالغربة والمهانة وسوء المعاملة، مضيفة: “بل كانوا يتعاملون معي وكأنني لم أدخل يوماً مدرسة أو أقرأ كتاباً”.

ورغم كل شيء، تشعر سارة بضياع حقها في ممارسة التخصص الذي قضت سنوات في دراسته، مؤكدة أن “الكل تجاهل معاناتي، وأداروا ظهورهم من دون اكتراث لأي شيء”.

ولم تعد معاناة الحصول على التعيين الوظيفي مقتصرة على خريجي التخصصات الإنسانية فحسب، بل اتسعت لتلاحق خريجي المجاميع الطبية أيضاً، الذين يعيشون مفارقة قاسية؛ فبعد بذل أقصى الجهود للوصول إلى الدراسة في التخصص الطبي لما يحمله من رمزية ومكانة اجتماعية وامتيازات اقتصادية تدفع للاستقرار، يجد آلاف الخريجين أنفسهم عاطلين عن العمل بسبب عدم توفر التعيينات الحكومية، وحتى ندرة فرص العمل في الجهات الخاصة وغير الحكومية. ودفعت هذه المفارقة بالكثيرين منهم للبحث عن عمل خارج تخصصهم، لكن حتى هذه الفرص تبدو صعبة المنال.

يسرد طبيب الأسنان والكاتب، الأمير حيدر، معاناته قائلاً إنه “منذ أكثر من سنتين ونصف، وأنا أحمل شهادة الطب أثقل ممّا حملتُه يوماً على صدري. لا لأن فيها مجدًا، بل لأنها الشهادة الوحيدة التي تُذكّرك كل صباح بأنك درست سبع سنوات لتجلس بعدها على أريكة الانتظار”.

ويضيف أنه بعد التخرج ظن أن “الآن تبدأ الحياة”، لكن الحياة نظرت إليه وابتسمت بسخرية، وربّتت على كتفه قائلة: “ارجع نام.. التعيينات مؤجّلة”.

ويتابع الأمير أنه أقام علاقة طويلة ومملّة مع الفراغ، ينام ويصحو، ويُشخّص نفسه بالملل الحاد، ثم يعود للنوم من جديد. يرى أن البلد يزدحم بالأطباء، لكنه يزدحم أكثر بالقرارات المؤجّلة والمكاتب المغلقة، ويتساءل باستغراب عن معنى أن تكون طبيباً عاطلاً عن العمل، ويجيب: “لا أحد يفهم هذا الشعور”، موضحاً أن “يكون لديك علم، وشهادة، وقسم أقسمته يوم التخرج، ثم تجد نفسك تُقنع العالم بأن وجودك ليس فائضًا عن الحاجة”.

يتذكر الأمير موقفاً مر به عندما صادف جاره الذي افتتح بقالة جديدة، وسأله بودّ: “دكتور ما تحب تشتغل وياي؟” وبرر طلبه بأنه يراه كل يوم يسقي النباتات. شكره الأمير وعاد إلى بيته حاملاً ابتسامة ساخرة، ويقول إن “الطبيب في هذا البلد لا يعطّل عن العمل، بل يُركن على الرف، والسنين تمشي، والأحلام تتأجل، والأعمار تُستهلك بالصبر”، مؤكداً أن الدولة توفر علماً بلا عمل، وشباباً بلا فرصة، وطاقة تُهدر في الانتظار بدلًا من الإنقاذ، مما يعني أن المجتمع بأكمله يخسر شيئاً لا يعوض.

ويضيف أن “خرّيجي الطب” أصبحوا مثل المرضى في صالة الانتظار “رقمكم سيظهر قريبًا”، ولا يعرفون متى سيكون هذا القريب.

هذا الواقع تؤكده بيانات وزارة التخطيط العراقية التي تشير إلى أن معدل البطالة مع بداية العام 2025 قد بلغ 13 بالمئة، ووصلت نسبة البطالة لدى النساء إلى حوالي 18 بالمئة، أي ما يقارب الضعف مقارنة بالرجال، الذين تبلغ نسبة البطالة في صفوفهم بين 9 إلى 10 بالمئة، بحسب المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي.

من جهته، يرى الأكاديمي جبار الكواز، أن مسألة عدم وجود مجالات لتعيين الخريجين من الشباب تمثل محنة كبيرة للعائلات العراقية.

ويوضح أن “أية حكومة في العالم غير قادرة على تعيين كل الخريجين بحسب تخصصاتهم، ولكن المسألة بوجهها العراقي مختلفة، لأن الجميع يؤمن أن التعيين هو السبيل الوحيد لذلك”، مشيراً إلى أن الحكومات الوطنية تتناسى أن أكثر مجالات التعيين التي تسد حاجة الطلبات هي مغلقة أو مندثرة.

فالآلاف من المعامل الصناعية العراقية قد أغلقت، والمصانع اندرست بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لأسباب كثيرة، منها رخص البضائع المستوردة وغزارتها غير المستوفية لشروط السلامة، إضافة إلى الضخ الجنوني لمخرجات الجامعات الأهلية التجارية.

ويعتقد الكواز أن هذه المحنة ستبقى راسخة عراقياً، إلا إذا تم تأسيس لمبادرة وطنية شاملة لإعادة فتح المعامل والمصانع العراقية التي تعالج المشكلة من الأساس، وهذا يحتاج إلى إرادة وطنية واعية.

ويشير إلى أن المحنة الكبرى ستبقى إلى آماد أخرى من الجدب الوظيفي الذي يضع الجميع في خانة اليأس والانحراف أحياناً، مؤكداً ضرورة وضع برنامج توظيفي يأخذ بالموازنة بين مخرجات التعليم العالي ومدخلاته سنوياً لوضع موازنة عقلانية للتوظيف ودفع اليأس الذي ركب كل المجتمع العراقي.

في المقابل، ترى أنوار النداوي، وهي أكاديمية وتربوية متقاعدة، أن الأعداد المتزايدة من الخريجين أدت إلى اتساع ظاهرة “تفريخ الخريجين” من الجامعات، وخاصة الجامعات الأهلية التي شهدت طفرة في الآونة الأخيرة.

هذه الظاهرة أدت إلى تضخم في عدد الخريجين، خاصة في تخصصات لا تتناسب مع احتياجات السوق العراقي، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة بينهم.

وتقول النداوي: “إن الطالب اليوم يواجه معادلة صعبة عند اختيار تخصصه، فهو من ناحية يسعى لتحقيق حلمه الشخصي وطموحه، ومن ناحية أخرى مضطر للانصياع لمتطلبات سوق العمل المتغيرة”.

وتتذكر أن طلبتها كانوا يحكمون بشكل إيجابي على وجود وظائف وفرص عمل بعد 4 أو 5 سنوات من تخرجهم، وتضيف أن “هذا الأمر في غاية الصعوبة، لأن هناك متغيرات كثيرة تؤثر في الوظائف”.

وتشير إلى أن الكثير من الطلبة الذين أشرفت على تدريسهم اضطروا إلى تغيير مسارهم المهني، فالطالب الذي تخرج من كلية الهندسة صار يعمل سائقاً الآن، وخريج التربية يعمل الآن في البناء أو التجارة، مؤكدة أن “هذه التحولات قد أثرت بشكل كبير على نفسية الشاب ومكانته الاجتماعية”، وهي ترى أن هناك هدراً كبيراً للطاقات والموارد التي أُنفقت على تعليم هؤلاء الخريجين، فبدلاً من أن يسهموا في تطوير تخصصاتهم وخدمة المجتمع، يجدون أنفسهم في تحديات توفير قوتهم اليومي في مهن لا علاقة لها بما تعلموه.

وتؤكد أن ما يحدث اليوم هو تناقض كبير، ويؤشر إلى أن مسألة اختيار الطالب للتخصص الذي يحبه ويريده لا تعني شيئاً، بل إن عليه أن يفكر بسوق العمل والوظيفة التي من الممكن أن يحصل عليها، ولكن الواقع في المجتمع العراقي يُظهر أن هذه المسألة لا شأن لها بفرص التوظيف، وأن اختيار تخصص دراسي معين لا يمنح بالضرورة فرصة للتوظيف الحكومي، على الرغم من محدودية العمل بالمجالات غير الحكومية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا