حدیث الناس

لماذا يجب أن تكون مشاعرنا رخيصة؟!

مشاعر الحب والودّ من جهة، ومشاعر الغضب من جهة أخرى، يفترض انها تعكس شخصية الانسان، وتحدد سلوكه وهويته الثقافية عندما يعرف لمن يبدي هذه المشاعر الإيجابية؟ وظروفها الزمانية والمكانية، وايضاً؛ يحدد شخصيته المسؤولية عندما يبدي مشاعر الغضب والاستنكار في مواقف تستحق، كما يكشف عن شخصيته الانفعالية والضعيفة عندما يغضب لأتفه الأسباب وسط عائلته وبين أصدقائه.

هذه المشاعر لها قيمة عالية، وهي تحتل حيزاً كبيراً في النفس البشرية، فهي ليست هيّنة، يمكن لصاحبها التصرف بها كيفما شاء، كما نلاحظه هذه الأيام من تأثّر فتيات وفتيان بوجود مطرّب يتفوه بكلمات يعدها البعض ترجمان لما في القلوب فتهيج المشاعر بالبكاء وسكب دموع الفرح لهذا الابداع!

وقد انتشر مقطع من دولة الإمارات لامرأة ناضجة يعملون لها مفاجئة في إحدى ملاعب كرة القدم، يغمضون عينيها لرؤية ما كانت تتمناه طوال سنوات حياتها، وهي أمنيتها لرؤية اللاعب الدولي الإيطالي السابق “اليساندرو دلبييرو”! فجاء اللاعب وانتصب أمامها ثم رفعوا العصابة عن عينيها لتنفجر بالبكاء فرحاً وتعانق اللاعب مطلقة العنان لكل مشاعرها بشكل لا إرادي.

قرأت بحثاً جميلاً قبل سنوات عن ظاهرة إطلاق المشاعر من مشجعي مباريات كرة القدم، ولماذا تتميّز بقوة اندفاعها، وهياجها الغريب، لاسيما في أوساط الشباب، و ذهب الخبير في علم النفس الاجتماعي الى نتائج تتعلق بالجانب الطبقي في المجتمع، عازياً إياه السبب في ظهور طبقة “المُعدمين ثقافياً”، بانها هي التي تغذي، بالدرجة الأولى ملاعب كرة القدم في معظم دول العالم، فهم يقفزون ويصرخون على مدرجات الملعب، فرحاً احياناً، وغضباً احياناً أخرى لحدث لا يرتبط بحياتهم اليومية، ولا الشخصية.

نحن اليوم بحاجة الى دراسة معمّقة لهذه الحالة يتولاها علماء النفس للوقوف على الأسباب ثم البحث عن العلاج بُغية مساعدة شبابنا لتوجيه مشاعرهم وعواطفهم النبيلة النابعة من أعماق القلب، نحو ما يستحق، مثل؛ الأبوين، والأشقاء والأقرباء في المحيط العائلي، وايضاً تجاه الأصدقاء في الدراسة والعمل، وهو ما يبشرنا به النظام الاجتماعي في الإسلام، كعامل استقرار نفسي للفرد، ثم وسيلة تماسك في العلاقات.  يعتقد البعض إن الاعتراض على مشاهد الابتهاج في حفل غنائي، او استعراضي، او ما الى ذلك، في العاصمة بغداد او في مدن أخرى، يصدر بالضرورة من منطلق ديني، وأن ما يجري من حضور للنساء والفتيات في أماكن كهذه، وما يقوم بها الشباب من أعمال انفعالية، تتعارض مع الاحكام الدينية والآداب الاجتماعية، وهي كذلك قطعاً، بيد أن المشكلة الأخرى؛ الخسارة البشرية والنفسية للفرد نفسه، وهو ما يلمسه بيده وبحواسه في العاجل والآجل، وكيف أنه سيركب مشاعره إزاء هذا المطرب او ذاك الرياضي، او الممثل، على سلوكه وأخلاقه وآدابه داخل أسرته في بيته المتواضع، فبدلاً من أن يبدي الرضى والشكر لأبيه على تعبه من الصباح الباكر وحتى المساء لتوفير لقمة العيش وتكاليف مدرسته ونفقاته المختلفة، ويبدي الشكر والامتنان لأمه على جهودها المضنية داخل البيت لرعاية افراد العائلة، يقدم لهم مشاعر الكراهية والتنكّر والخذلان، فيما يحتفظ بمشاعر العرفان والتضامن مع اشخاص ربما لا يلتقي بهم مرة في حياته ابداً، لمجرد أنهم يخلقون له بهجة وهمية و ارتياح مؤقت أشبه بجرعة المخدرات.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا