يوصَف التفاؤل بأنه روح إيجابية يحملها الإنسان وينتمي لها وتصبح جزءا من تكونيه، وغالبا ما تحثه هذه الروح المضاءة بالخير على أن يكون صوتا إيجابيا صادقا يدفع بالأشخاص الآخرين نحو التفاؤل والأمل بالله، فمثل هذا الإنسان يتوقع الخير دائما ويسلّم أمره إلى الله تعالى، لهذا يتوقع أن يصيبه الخير دائما، ويدعو الناس إلى هذا التفكير والسلوك المؤمن، ويترك التوقعات السلبية جانبا لأنه يتعارض مع روحه المتفائلة.
لكننا أحيانا نرى بعض الناس وهم يعانون من التفكير السلبي أو الكئيب، ونشعر بذلك من خلال ما يتفوهون به من كلمات وآراء تبتعد على التفاؤل، والمشكلة أن الأدلة المحيطة أو المتوفرة لهم تؤكد عكس توقعاتهم السلبية ومع ذلك لا يرون بارقة أمل، بل العكس من ذلك حيث يغرقون بالتشاؤم والتوقع السلبي.
وحتى في حال حدث لهم الخير بعكس توقعاتهم، نجدهم يقللون من حجم هذا الخير وتأثيره في رفع حياتهم، لأنهم مصابون أصلا بمرض التشاؤم، ولم يسلموا أمورهم إلى الله تعالى، لذلك تجد تفكيرهم محصورا بالطوق السلبي الذي يحيط عقلهم وأفكارهم، فتجدهم في حالة قنوط ويأس حتى عندما تكون النتائج طيبة والأمور مقبولة.
أما الأناس المتفائلون فإنهم حتى حين تجيء الأحداث والنتائج في غير صالحهم، لكنهم يبقون متمسكين بالتوقعات الإيجابية وتراهم يؤمنون بأن النتائج وليدة أمرين الأول ما يكتبه لهم الله تعالى والثاني ما يبذلونه من جهود وسعي لتحقيق النتائج الإيجابية، وفي حال أصابهم التوقع أو النتائج السيئة، فإنهم يستمرون بتوقع الأفضل دائما لأنهم سبق أن سلموا أمورهم وحياتهم وتوفيقاتهم إلى الله تعالى.
لماذا على الإنسان أن لا يفرح بما آتاه الله، ولماذا عليه أن لا يحزن على ما فاته من أمور؟، تقول الآية الكريمة: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.(سورة الحديد، الآية 23)، إن الله تعالى يطلب من عباده أن لا يحزنوا أو يأسوا على ما فاتهم من أمور، ولا يفرحوا بما آتاهم، والمضمون هنا أن الله تعالى هو صاحب الأمر في كل ما يتعلق بهذه الأمور تخص عباده.
حتى تكون متوازنا في حياتك وتصرفاتك ومشاعرك وأفكارك عليك أن تتخذ الوسطية في جميع الأمور، فلا تكثر من التوقعات ولا تقلل منها، بل اجعل منها وسطية مقبولة تنفعك ولا تضر بالآخرين
من هنا فإن التفاؤل والخير بما يختاره الله هو ما يجب أن ينعم به الإنسان حتى يعيش حياته باستقرار بعيدا عن المشاعر والأفكار السوداوية التي تجعل من حياته صعبة شاقة وبائسة، وهذا درس كبير يجب على كل إنسان أن يتمسك به ويعتمده في تمشية شؤون حياته المختلفة، لأن الفرح المفرط يقود إلى فخر الإنسان بنفسه ومن ثم يجعل منه مختالا فخورا وهذا ما لا يريده الله تعالى لعباده الصالحين.
والمعني هنا هو التوازن، واعتماد التوقع المتفائل للإنسان، وعدم ميله إلى الحزن والشعور بالتعاسة لأنه لم يحصل على ما يريد، فحتى الشيء الذي يسرك ولم تحصل عليه هو من تقدير الله وإن ربك يحب لك الخير دائما فإذا منع عنك شيئا ترغب به فهذا حتما يصب في صالحك، وإذا آتاك شيعا يسعدك فهو تعالى كتبه لك.
ولكن حتى تكون متوازنا في حياتك وتصرفاتك ومشاعرك وأفكارك عليك أن تتخذ الوسطية في جميع الأمور، فلا تكثر من التوقعات ولا تقلل منها، بل اجعل منها وسطية مقبولة تنفعك ولا تضر بالآخرين، وهنا أيضا يكون الإنسان مطالبا بأن (يحب للآخرين ما يحبه لنفسه)، وهذا مرتبط بالتعاون المتبادَل وبالمحبة بين الناس، وبالابتعاد عن الأحقاد والحسد وكل الصفات غير الحميدة، فعلى الإنسان أن لا يكون حقودا ولا حسودا بل متفائلا يحب الخير للجميع. لماذا التركيز على التفاؤل والوسطية والتوازن بين الجميع، لأن هذه الصفات والسلوكيات والأفكار تُسهم في بناء أمة قوية صالحة يسودها التعاون والتسامح والمودة، وينتشر فيها الخير، ومن ثم التقدم الذي يشمل جميع الناس من دون استثناء، إلا أولئك الذين لا يسلمون أمورهم إلى الله تعالى ويلهثون وراء ما هو زائف وزائل، فهؤلاء عليهم أن يعيدوا حساباتهم ويصححوا أفكارهم وسلوكياتهم ويلجأوا إلى الله تعالى في كل شيء.
