الأخبار

إدمان “روبلوكس” يهدّد أطفال العراق: أزمة نفسية وإيحاءات متطرفة دفعت الداخلية للحظر

الهدى – متابعات ..

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحولت إلى صراع حقيقي يهدد استقرار الأسرة العراقية وسلامة الجيل الجديد. فقصة محمد وابنه يوسف (12 عاماً)، ليست سوى نموذجاً صارخاً لأزمة تتعاظم في المنازل، حيث تحوّل طفل مرح محب للحياة إلى مدمن منطوٍ وعدواني بسبب منصة الألعاب الشهيرة “روبلوكس” (Roblox)، التي اضطرت وزارة الاتصالات العراقية إلى حظرها مؤخراً بعدما كشفت التحقيقات عن وجهها الخفي.

الإدمان والانحراف: قصة يوسف وعائلته

في منزل محمد، اندلعت المشاجرات الحادة مع زوجته بسبب مشهد يتكرر يومياً: يوسف لا يرى ما يدور حوله إلا من خلال شاشة الهاتف، غارقاً في عوالم الفيديو عبر الإنترنت.

التحول في سلوك يوسف كان تدريجياً ومخيفاً؛ فقد انطوى على نفسه، وبدأ يستخدم كلمات غير مفهومة، بل واكتشف والده رسوماً لشعارات غامضة على أغلفة كتبه المدرسية.

تصاعدت الأزمة عندما تحول سلوك يوسف إلى العدائية المفرطة، حيث أصبح يهاجم شقيقته الصغيرة بعنف. لم تكن المشكلة في اللعبة نفسها أو الوقت الذي يقضيه فيها، بل في الشغف الذي تحول إلى إدمان مخيف.

وعندما اختفت اللعبة فجأة من هواتف العائلة بعد حظرها، انكشف العمق الحقيقي للأزمة، حيث تصاعدت نوبات غضب يوسف ومشاجراته إلى مستوى ينذر بالخطر، متوسلاً لوالده المساعدة في إعادة تحميلها.

قرر محمد البحث عن اللعبة، ليصطدم بالحقيقة المرعبة: “روبلوكس” تبدو في الظاهر منصة بريئة للترفيه، بينما تختبئ في الخفاء بقنوات ومجتمعات تبث العنف والتطرف والقسوة في عقول الأطفال.

دفعت هذه الحقيقة الأب إلى الحيرة، فالمهمة لم تعد تقتصر على تنظيم وقت جلوس يوسف أمام الشاشة، بل في إنقاذه من مفاهيم تهدد عقله وتفكيره.

ممارسات مخيفة: استدراج نفسي وسلوك انتحاري

أسرة محمد ليست الوحيدة التي تعاني. فقد أثارت تحقيقات وزارة الداخلية مؤخراً تساؤلات جدية حول هذا النوع من الألعاب.

وكشف بيان للوزارة أن مراهقاً قام ببناء شبكة إرهاب نفسي استهدفت عشرات الأطفال والمراهقين عبر لعبة “روبلوكس”، متخذاً منها منصة للتواصل والتأثير.

وأفادت الوزارة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن المتهم تمكن من استدراج ضحاياه وفرض سيطرته النفسية عليهم لدفعهم إلى سلوكيات مؤذية ذاتية، تصاعدت تدريجياً لتصل إلى حافة الانتحار.

وأكد اللواء مصطفى الياسري أن أساليب المتهم كانت “مروعة”، مستشهداً بحادثة فتاة انتحرت مؤخراً بتعليمات منه.

“عالم مغرٍ” للمخاطر: دعايات نازية وتطرف

من جانبه، يصف محمد فاضل، طالب في كلية القانون ولاعب سابق في “روبلوكس”، هذا العالم بأنه “عالم مغرٍ”، لاحظ فيه أن غالبية اللاعبين النشطين كانوا من صغار السن.

ورغم اعترافه بمخاطر “روبلوكس”، إلا أنه يحذر من أن الإنترنت يحتوي على العديد من ألعاب الفيديو التي “لا تقل خطورة عنها”. ويجسّد هذا الخطر بتشبيه “أن تترك طفلاً تائهاً وحده في مدينة غريبة”.

ويكشف فاضل عن وجه أكثر قتامة لبعض هذه الألعاب، مشيراً إلى وجود وسطاء يستغلون الأطفال بالضغط عليهم مقابل وعود كاذبة بجوائز مادية.

ويرى فاضل أن الألعاب الالكترونية بدأت تتجاوز المحتوى اللاأخلاقي المعروف لتشمل تعدد الميول الجنسي، وتمجيد شخصيات نازية، وترغيب صغار السن في أفعال متطرفة مثل الإبادة أو تقبل القتل والعنف.

وفي سياق متصل، كشفت دراسة لصحيفة التايمز البريطانية، أعدتها “الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا”، أن أطفالاً دون سن التاسعة تعرضوا لمحتوى متطرف على منصة “روبلوكس” يتضمن دعاية نازية وإرهابية، وشعارات مؤيدة لجماعات يمينية متطرّفة، وإعادة تمثيل لمعسكرات الإبادة. واختتم فاضل حديثه مشيراً إلى أن كل الجوائز الموعودة تظل افتراضية ووعوداً كاذبة.

الجرائم الرقميَّة: ابتزاز القاصرين والتهديد بالانتحار

وترى المحامية أنوار نادر أن هذه الألعاب، سواء كانت “روبلوكس” أو غيرها، هي جزء من الجرائم الرقمية المنظمة التي تنشط عالمياً لجذب صغار السن. وتشير إلى أن التفاعل المباشر في داخل اللعبة والمحفزات الافتراضية تزيد من مخاطر دخول شخصيات تستغل القاصرين لتحقيق جرائمها.

وتؤكد نادر أن “التركيز عبر هذه الألعاب دائما ما يكون على الأطفال والقاصرين، لأنهم في الواقع فريسة سهلة للمجرمين والمحتالين”، مشيرة إلى أن استغلالهم يصل إلى تصويرهم بهدف الابتزاز، أو حثهم على ارتكاب سلوكيات غير أخلاقية، وإجبارهم على اختيار وسيلة مناسبة للموت افتراضياً، يتم تنفيذها لاحقاً من قبل الطفل الضحية واقعياً.

ووفقاً لإحصائية مديرية الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، سجل العراق خلال عام واحد 1950 حالة ابتزاز إلكتروني، كان من بين الضحايا مراهقون وأطفال دون سن 14 عاماً. وتؤكد المحامية أن مهمة القضاء على مرتكبي الجرائم الرقمية صعبة جداً في ظل التحول العالمي نحو الرقمنة، لذا تدعو إلى «أن نركز على أطفالنا ونكون بجانبهم وهم يتصفحون الإنترنت ونتشارك معهم الدخول إلى هذا العالم». يذكر أن وزارة الداخلية العراقية استحدثت مؤخراً مديرية متخصصة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.

التأثير النفسي: الانطواء، القلق، ومخاطر طويلة الأمد

وللأهل دور كبير في حماية الأطفال، لكنه يعتمد على درايتهم الجيدة بهذا العالم الافتراضي، لأن الأمية الرقمية تجعلهم غير واعين بما قد يصيب أطفالهم من مخاطر.

وترى المتخصصة في علم النفس الإرشادي أ. د. أمل إبراهيم الخالدي أن الأطفال يتعلمون السلوكيات من النماذج الحية والمصورة كالألعاب الإلكترونية التي تقدم “رسائل مشفرة على هيئة نماذج جاذبة لذهن الطفل”، مما يشكل السلوكيات المطلوب تعلمها.

وتضيف الخالدي، أن الألعاب الإلكترونية تؤثر في شخصية الطفل مستقبلاً وفي علاقاته مع المجتمع، وغالباً ما يفتقر ضحايا خطاب الكراهية في هذه الألعاب إلى آليات التأقلم اللازمة، مما يعرض شخصيتهم للإصابة بمشكلات الصحة النفسية كالاكتئاب والقلق وانخفاض تقدير الذات.

ويمكن أن تسبب تجارب العدائية في الطفولة آثاراً طويلة الأمد كال التوتر والانطواء الاجتماعي، وصعوبات في بناء علاقات سليمة، وقد تؤدي إلى الانقطاع عن الدراسة، مما يؤثر سلباً في التحصيل الدراسي وفرص مرحلة البلوغ.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا