الهدى – خاص ..
في ندوة ثقافية أقيمت في مدينة الكفل التابعة لمحافظة بابل، قدم الشيخ أحمد العلي، أحد أساتذة الحوزة العلمية، تحليلاً مفصلاً وعميقاً لمفهوم “المسؤولية” في الإسلام، مستنداً إلى الآيات القرآنية والروايات الشريفة لأهل البيت (عليهم السلام).

الندوة التي جاءت تحت عنوان الآية الكريمة: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، وحضرتها مجلة الهدى، تناولت المسؤولية على مستويين رئيسيين: الشخصية الداخلية والاجتماعية الخارجية، وصولاً إلى مسؤولية الإنسان عن البيئة والحيوان.
المسؤولية الشخصية الداخلية: توجيه القدرات الإلهية
وافتتح الشيخ أحمد العلي حديثه بتسليط الضوء على المسؤولية الفردية الداخلية، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وأكد الشيخ العلي، أن بصائر هذه الآية تُوجب على المؤمن “توجيه جميع القدرات فيما يرضي الله”، فكل حاسة وقوة في الإنسان هي أمانة سيُسأل عنها.

مسؤولية السمع: العبادة عبر الإصغاء
وفي إطار مسؤولية السمع، نقل الشيخ العلي حديث الإمام الصادق (عليه السلام): “من استمع إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان.” مُحذراً من أن اختيار المصادر المسموعة هو في حقيقته اختيار للوجهة الروحية والعبادية للفرد.
مسؤولية النظر: غض البصر كوقاية للنفس
وانتقل الشيخ للحديث عن مسؤولية النظر، حيث ذكر الآية الكريمة التي تأمر بـ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.
واستشهد بعدة روايات تحذيرية، منها قول الإمام الصادق (عليه السلام): “النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة”، مشيراً إلى أن النظرة المحرمة هي “سهم من سهام إبليس مسموم”، وأن تركها خوفاً من الله يُثمر إيماناً يجد المؤمن حلاوته في قلبه.
مسؤولية الفؤاد: تطهير النية من الآفات
أما عن مسؤولية “الفؤاد” (القلب)، فقد شدد الشيخ العلي، على أهمية النوايا والمشاعر الداخلية، مستذكراً قول الإمام الباقر (عليه السلام): “نيةُ المؤمن خيرٌ من عمله”، ومن ثم ركز على الآفات القلبية التي تهدد صلاح العمل.

وحذر من الرياء، مبيناً أنه “شجرة لا تثمر إلا الشرك بالله”، ومن الحسد الذي “لا يجلب إلا المضرّة”، ومن العجب الذي وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنه “أعظم الذنوب عند الله”، والحقد الذي عُدَّ “أعظم الذنوب” أيضاً.
المسؤولية الاجتماعية والخارجية: من الذرّة إلى المحيط
وانتقل الشيخ العلي، إلى المسؤولية الخارجية والاجتماعية، مؤكداً مبدأ الثواب والعقاب الفردي القائم على العدالة المطلقة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وأكد الشيخ العلي، على أن الفرد “مسؤول عن الأعمال مهما كانت صغيرة أو كبيرة” تحت مبدأ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، مشدداً على أن مبدأ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يعني أن كل شخص يتحمل مسؤولية عمله وحده.
ولفت الانتباه إلى المسؤولية الأوسع، التي تتجاوز الذات لتشمل الأهل والمحيط، مستدلاً بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، موضحاً أن الإنسان ليس مسؤولاً عن نفسه فقط، بل عن “ابنائه وبناته وزوجته وإخوانه وأمه وأبيه وعشيرته”.
المسؤولية تجاه الحيوان والبيئة: عدالة شاملة
وفي ختام الندوة، قدم الشيخ العلي، بُعداً إنسانياً وأخلاقياً للمسؤولية، مخصصاً جزءاً لمسؤولية الإنسان عن الحيوان والبيئة.
واستشهد بحديث الإمام الصادق (عليه السلام) حول المرأة التي “دخلت النار في هرّة حبستها حتى ماتت جوعًا”، لبيان خطورة إهمال حقوق المخلوقات.
واختتم بحديث للإمام علي (عليه السلام) يوسع دائرة المسؤولية لتشمل البيئة بأكملها: “اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم،” مذكراً بأن من يقتل عصفوراً “عبثًا” سيأتي يوم القيامة وهو يشكو إلى الله قتله دون منفعة.
وختم الشيخ أحمد العلي ندوته مؤكداً أن المسؤولية في الإسلام هي منظومة متكاملة تبدأ من سلامة قلب المؤمن وتوجيه حواسه، وتمتد لتشمل أسرته ومجتمعه، وتصل إلى أدق الكائنات الحية والبيئة المحيطة به.
