ما قيمة بيتٍ لا يعرف صاحبه؟
وما جدوى سقفٍ لا يحنّ لصوت من يأويه؟
نعيش في غيبةٍ طالت، لا لأن السماء نستنا، بل لأن الأرض لم تستعد بعد.
والاستعداد لا يبدأ في المعسكرات، بل في المهد.
هناك؛ حيث يُصنع الوعي الأول، وتُسكب اللبنات الأولى في قلب طفل لا يدري بعد أن وجوده قد يكون حلقةً في سلسلة التمهيد.
الأسرة ليست فقط نواة المجتمع، بل حجر الأساس لقيامة الظهور.
هي أول محراب، وأول منبر، و أول درس في الولاء.
إذا كانت الغيبة ورقة امتحان، فالأسرة إما أن تكون وسام نجاح، أو سببًا في الرسوب الجماعي.
البيوت التي تتعطر صباحًا بدعاء العهد، وتغسل آذان أطفالها بآهات دعاء الندبة، لا يمكن أن تكون حيادية.
الحياد خيانة، والانتظار ليس جمودًا.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
“من سَرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر”.
الانتظار فعل، لا حالة، وحين يغدو فعلًا، فإنه يطرق باب الأسرة أولًا.
أسرةٌ لا تُربّي أولادها على “عِش كما تهوى”، بل “عِش كما يجب”، بالطريقة التي لا تتشوه فيها فطرتك التي فطرك الله عليها، وهي التي يفعّلها المولى صاحب الزمان ارواحنا فداه، أسرةٌ تبني اسوارها على الحلال الذي يُحيي النفوس، ويروي القلب بالمحبّة، ويملأ الليل بسكينة يُحبها الله.
قال الإمام الحجة، عجل الله فرجه، في توقيعه الشريف: “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله”.
فالأسرة المهدويّة لا تُفرّغ حبّها في طفلها بلا بوصلة، بل تغرس فيه الإيمان بخطّ العلماء والفقهاء، تعلمه أن العلماء الصادقين هم ظلّ النيابة، وأن الانحراف عنهم انزلاق عن جادة الإمام.
بيتٌ يعلّم أن المرجع ليس عنوانًا يُحفظ، بل راية تُتّبع. إن الفقيه الجامع للشرائط هو تجلٍ من تجليات وصاية الحجة في زمن غيبته، وأن النطق باسمه في مجلس العائلة يجب أن يُشعر الطفل بالطمأنينة، وبحضور الصاحب الغائب.
هل نسأل أنفسنا نحن؛ كم مرة نذكر الإمام الحجة في يومياتنا؟
هل عوائلنا يشعرون أنه معنا؟
هل نُخبرهم أن كل لقمةٍ حلال، كل دمعة خشوع، كل سلام على السيدة الزهراء، عليها السلام، هي طريق ممهد نحو ظهوره؟
قال الإمام المهدي، عجل الله فرجه: “إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم”.
فهل نحن نراعي حضوره، ونذكره كما يذكرنا؟ وهل نبني بيوتنا كما يبني هو دولته؟
البيوت التي تنام دون أن تُحدّث أبناءها عن صاحب الزمان، تُطفئ فيهم شعلة الانتظار قبل أن تضيء.
والبيوت التي تستبدل القُدوة بالشهرة، والهيبة بالمظاهر، والخشوع بالضجيج، تُسلّم أبناءها للغفلة دون أن تدري.
وعلى بساط الانتظار؛ أمٌ توقظ طفلها لصلاة الفجر، ليلتحق بركب الامام ولترتفع صلاته مع صلاة الصاحب، عجل الله فرجه.
أبٌ يُقبّل جبين ابنه وهو يحفظ دعاء الندبة، لا كواجب، بل كتذكرة عشق، طفلة ترتدي حجابها الصغير لتصون نفسها وتهذبها كي تلتحق بركب الامام، و ولدٌ يقرأ عن أصحاب المهدي، ويقتدي بهم عازماً على أن يكون منهم.
بيتٌ لا يعيش الغيبة كانقطاع عن الحضور، بل كشمس خلف حجب التمهيد تنتظر الشروق. بيتٌ يلتذّ بلقمة الحلال، ينتقي كلماته برقيّ، يشعل حرارة البكاء على سيد الشهداء ليجعل الدمع سبيل الوصل بقلب القائم.
قال الإمام الباقر عليه السلام: “كونوا زينًا لنا، ولا تكونوا شينًا علينا”. اجعل بيتك زينًا للإمام، لا سهماً مبكياً له. افتح الأبواب لدموع الانتظار، ولخُطى الالتزام، ولحضور العلماء والعقل في القرارات الصغيرة والكبيرة. اجعل طفلك يرى في صور العلماء وجوهًا مباركة، لا ملامح جامدة.
ازرع في بناتك خُلق السيدة الزهراء وعفتها، وعلّم أولادك أن البكاء على الحسين، ليس شعورًا فقط، بل تربية قلبٍ لا يخون، فكل بيتٍ يُبنى لله وفي سبيله، لابد وأن يُكتَب له شرف النصرة، وكل بيتٍ يغيب في زمن الغيبة، يغرق في ذاته وملذاته ويُسلّم أبناءه لعصرٍ لا يُبقي ولا يذر.
ان البيوت التي تُبنى على خشية الله، تُثمر جيلًا لا يرتجف عند التحدي، البيوت التي تُحسن تربية أبنائها على الولاء، تُشارك في تشكيل الطليعة، والبيوت التي تعيش زمن الغيبة كمسؤولية، لا كزمن ضائع، هي التي ستكون يمين الإمام عند الظهور، فابنِ بيتك كأنه سُور من أسوار دولته، و ازرع فيه روحًا تشبه انتظارك، وحنينًا لا يسكن، حتى يظهر الحق، ويُضيء الكون بوجه ابن فاطمة، عليهما السلام.
