ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (84) كيف نفهم الاسلام؟

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “اعقلوا الخبر اذا سمعتموه عقلَ رعاية لا عقل رواية فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل”.  (نهج البلاغة، الحكمة: 98).

هنالك ثلاث مشاكل تواجه الاسلام كمنهج للحياة:

اولا: مشكلة جهل الاسلام

ثانيا: مشكله فهم الاسلام

ثالثا: مشكلة رعايته

هناك اناس يصدون الاسلام لانهم يجهلونه، وآخرون يصدونه لانهم اساءوا فهم جوانب كثيرة في الدين، وذلك يمنعهم من ترجمة الاسلام الى عمل والتمسك به والايمان فيما جاء به.

الكلام لن يكون في هذين النوعين من الناس او المشكلتين (جهل الاسلام وسوء فهمه) إنما هناك اناس يصدون الاسلام ببسب عدم رعايته، وترجمته الى واقع فعلي وعلمي.

ولكي نفهم هذه المشكلة بالذات لابد ان نطرح بعض الاسلئة؟

ما هو واجبنا تجاه الأخبار (النصوص الدينية) كونها مصدرا من مصادر الاسلام؟

كيف نتعامل مع الاحاديث النبوية والروايات الورادة عن أهل البيت عليهم السلام؟

ما هو المطلوب تجاهها: فهمها؟ ام حفظها عن ظهر قلب؟

بعد الفهم ما هو المطلوب؟

أهم مشكلة تواجه الامة الاسلامية اليوم هي ترجمة الاسلام ونقله من الجانب العقيدي والايماني الى الواقع الاجتماعي والسياسي، اي نقل الاسلام من مرحلة الفكر الى مرحلة التطبيق.

كلنا يعرف أن الاسلام منهج للحياة ورسالة للتطبيق، دين شامل مستقلبي بما يزرعه في معتنقيه في القواعد والسلوك في مختلف مجالات الحياة، الاسلام يجب ان يكون طاقة هائلة تحرّك الأمة نحو التحرر والتقدم.

ولكن الطاقة الهائلة تواجه مشكلة، فمأساة الاسلام تكمن في علاقة المسلم بالاسلام؛ علاقته بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية. المأساة هي كيفية فهم المسلم للاسلام ومدى تطبيقه على واقعه الاجتماعي والسياسي ومن ثم تحويل الاسلام من مجرد فكر وارتباط روحي الى واقع خارجي.

و هذه العلاقة يبدو انها اصيبت بخلل وهنا تبرز مشكلتان: الفهم الصحيح، والعمل الصحيح.

العجز عن فهم الروايات

قد نتعامل مع الروايات كتراكمات كمية، بدل أن نتعامل معها كرؤية كونية، هل نفهم الاسلام عموديا أم افقيا؟

هل نتعقل الروايات في بعدها الشمولي العام ام في بُعد واحد؟

قد نقف عند الالفاظ ولا نعبر الى حقيقة اللفظ وهذا يسبب كثيرا من الاخطار، والخطر على الاسلام لا يأتي دائما من قبل الاعداء، قد يكون الخطر من خلال تعامل المسلمين، وذلك بتحويل الاسلام الى رؤية كانت قبل 1400 عام. قال احد العلماء: أن الفهم الخاطئ للاسلام، ان هذا اخطر من الذي قتل الامام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء، في كربلاء.

قد نتبلى بفهم خاطئ لآية او رواية او تطبيق غير صحيح لذلك، وكما يصد ـ الفهم والتطبيق الخاطئ ـ فردا من الافراد، كما يصد مجتمعا بأكمله.

اولئك الذي اغلقوا باب الاجتهاد كانوا مخطئين، لانهم بدل ان يفهموا الاية والرواية في زمانهم، وبدل ان يتطوروا مع الآيات والروايات، جمّدوها بزمن نزولها، لذلك الفقهاء يقولون: ان زمن الزمن لا يقيّد الآية. فالاية يجب ان تفهم في أبعادها المختلفة. لذلك في تعاملنا مع الآيات والروايات يجب ان نأخذها في بعدها الشمولي العام.

حينما انفصل الفهم العملي للايات والروايات، انفصل المسجد عندنا عن الشارع والسوق، وعن البنوك، فالمسلم في مسجده منسجم مع عقيدته، ولكن بمجرد ان يخرج منه يمارس النفاق، وهكذا تحول المسلم الى قوّال

كثيرة هي الروايات هي التي جاءت في الاحكام الشرعية ضمن مورد محدد، شخص واحد جاء الى رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسأل عن مسألة وأجابه النبي، وبالتأكيد لن يأتي شخص مماثل له، في قضية مماثلة تماما حتى يأتي الحكم الشرعي. مورد الآية او الرواية لا يقيدها، لذلك لا يصح تقييد الايات والروايات بزمان قديم (زمن النزول)، فلماذا نغلق على انفسنا باب فهم الاية الروايات في زماننا ومكاننا؟

من هنا جاءت الاحاديث والروايات ان الفهم الصحيح للآيات هو الفهم الافقي، لا الفهم العمودي، لا حفظها الايات والروايات حتى تصبح ثقلا على ضمير المسلم والمؤمن. لذلك تقول الرواية: “الفقيه كل الفقيه من حفظ معاريض كلامنا”. اي عرف كلامنا بالطول لا بالعرض، “حديث تدريه خير من ألف ترويه” لان ألف رواية يرويها إنسان قد لا تغير من رؤيته وطريقته وحقيقته، لا تكون قيمته أكثر من شريط كاسيت يردد ألوف الروايات. وهناك فرق بين همتين تقول الرواية: “همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الدراية”.

الالفاظ وحدها لا تكفي

حينما تتجه ثقافة الامة الى تكرار الالفاظ وحفظ النصوص فإن العمل الفكري  ينتكس الى الوراء، وتصبح الثقافة حينها قطعة اثرية تصلح للديكور، فبدل أن تكون الرواية في هذه الثقافة مثل الزناد، حيث تثير فينا العقول، وتشعل فينا شموع الفهم، وتدفعنا الى تطوير حياتنا الى الافضل، بدل ذلك تتحول الروايات والايات ـ إذا فهمناها خطأً وطبقناها بصورة غير صحيحة ـ  الى وسائل لتحنيط العقل وتجميد الفكر.

وفي هذه الامة تدور المعارك دائما حول الالفاظ، فكم من معارك خاضتها الامة في عهود التخلف، وكم من نصوص تعامل معها ابناء الامة خطأ، فحفوظها ولم يعملوا بها، “ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه” لان التعامل مع القرآن لا يجوز ان يكون تعاملا مع ألفاظ، ومعجزة القرآن الكريم لم تكن في الالفاظ فحسب، لانه لكل الامم، معجزته في الرؤى والتعليمات، فيما فيه من واجبات ومحرمات، أما أن نتعامل معه من خلال الالفاظ، فنقرأ القرآن بشكل جيد، ونطبعه بأفضل صورة، ولكن حياتنا بعيدة عن العمل بآيات القرآن والاحاديث والروايات.

المقصود من الآيات والروايات ألفاظها، لان الالفاظ قنطرة المعاني، قيمتها بمقدار ما تعبر القنطرة، وإلا فقدت القنطرة قيمتها كوسيلة للعبور {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}.

كم من إناس متخلفين جمّدوا عقولهم ومعارفهم، وجمدوا مع ذلك الايات والروايات، وخسّروا الامة الانطلاق الى الأمام، مسائل في تاريخنا اصبحت مآسي، كمسألة خلق القرآن الكريم، التي اريقت على إثرها دماء كثيرة، معارك في الفلسفة مزقت الامة وفرقتها وكل تدور حول ألفاظ، ونظريات. وتضخم النحو والصرف، والفلسفة اليونانية والمعارك الكلامية، في الامة كلها، دليل على تعامل خاطئ مع الآيات والروايات والاحاديث. رغم ان القرآن الكريم يصرح بأنه نزل لقوم يعقلون ويتفكرون.

مشكلة التطبيق

وهي مشكلة نقل الاسلام من كونه طاقة روحية هائلة الى منهج للحركة وطريقة للسلوك، ولا شك ان المسلمين يؤمنون بالاسلام، والانحراف في الامة لم يكن بأصل الايمان، كل المسلمين يعرفون أنهم سيموتون يوما، ويؤمن بالله ونبيه والقرآن، والاكثرية ربما يتقيدون بالواجبات العبادية (الحلال والحرام) لكن المشكلة في الامة الاسلامية اليوم ليست في قضية الايمان او عدمه، الاحزاب الشيوعية القائمة على الالحاد وغيرها من الاحزاب الالحادية الاخرى، لم يستطيعوا ان يسلبوا من الامة عقيدتها، ولذلك الحزب الشيوعي في مصر لم يتجاوز عدد أفراده 800 عضو بعد نصف قرن من وجوده.

التعامل مع الايات والروايات بدون تطبيق ينتج أمرين:

الامر الاول: التسطّح الفكري

اي لا عمق ولا جذور في الفكر

الامر الثاني: الانسلاخ العملي: فيصبح بعض علماء الدِين مجموعة من المرتزقة يبحثون عن الرزق من خلال ما يقولونه في صلوات الجمعة، او من خلال ما يتحدثون به عن ظهر قلب في المناسبات الدينية.

عقلية رعاية الرواية ودرايتها تختلف تماما، وتميزها بما يلي:

  • تتعامل مع الايات والروايات من خلال الفهم والادارك، ووضع النص في المكان الصحيح، وفهمها حسب الوضع المعاش.
  • التمحيص العقلي
  • محاولة التطبيق: فالرواية او الاية ـ في نظر هذه العقلية ـ ليست للحفظ وإنما للعمل

حينما انفصل الفهم العملي للايات والروايات، انفصل المسجد عندنا عن الشارع والسوق، وعن البنوك، فالمسلم في مسجده منسجم مع عقيدته، ولكن بمجرد ان يخرج منه يمارس النفاق، وهكذا تحول المسلم الى قوّال، والمجتمع الاسلامي اصبح مجتمع النظريات، لا مجتمع العمل، ووقعت ازدواجية عند الانسان المسلم فيما يحمله من افكار وبين سلوكه وعمله.

أحد التجار غير الملتزمين بالاسلام كان لا يترك صلاة الليل ولكنه يردد: المعاملة شيء والدِين شيء آخر. في حين رسول الله، صلى الله عليه وآله يقول: الدِين المعاملة”.

كم من إناس متخلفين جمّدوا عقولهم ومعارفهم، وجمدوا مع ذلك الايات والروايات، وخسّروا الامة الانطلاق الى الأمام

المطلوب ـ حسب صريح القرآن الكريم والروايات ـ هو العمل والسعي، واقتران القول بالفعل، والاخلاق بالعاملة. قال ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}. هذا صريح بأن المسلم لا يثاب على ما يفكّر وما يقول، إذا لم يترجم ذلك الى عمل. وعمل الانسان هو الذي يعود عليه إن خيرا فخير وان شرا فشر.

________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا