الهدى – وكالات ..
بعد مرور ثماني سنوات على التوصيات الأممية الصادرة عام 2017، ما تزال مملكة البحرين تُخفق بصورة ممنهجة في تطبيق أبسط معايير الحماية ضد التعذيب وفي ضمان المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة.
وهذا ما خلص إليه تقرير منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” (ADHRB)، الذي قُدّم إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في يوليو 2025.
ويؤكد التقرير أن السلطات البحرينية اكتفت بإصلاحات شكلية في القوانين، لم تُترجم إلى ممارسات فعلية، مما جعل التعهدات الدولية “حبراً على ورق”.
ووفقاً للمنظمة، فإن ما تصفه الحكومة بعملية “إصلاح” لم يكن سوى غطاء تجميلي لإدامة القمع السياسي والإفلات من العقاب.
التعذيب كآلية عمل والجهات الرقابية “أدوات تجميل”
وتوضح ADHRB أن البحرين، رغم توقيعها على اتفاقية مناهضة التعذيب، ما زالت تنتهك بصورة ممنهجة حقوق الأفراد، حيث لا تزال الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني، تستخدم التعذيب وسوء المعاملة كوسيلة انتزاع اعترافات قسرية.
ويُشير التقرير إلى أن الهيئات التي أنشأتها الحكومة، مثل اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق ومكتب أمين المظالم والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، “لم تُظهر استقلالية حقيقية”، بل تحوّلت إلى أدوات لتجميل صورة النظام أمام المجتمع الدولي.
انتشار التعذيب وثقافة الإفلات من العقاب
ويؤكد التقرير انتشار التعذيب داخل أماكن الاحتجاز، وخصوصاً في مديرية التحقيقات الجنائية وسجن جو ومركز توقيف الحوض الجاف.
وتستخدم أساليب وحشية تشمل الضرب، والصعق الكهربائي، والحرمان من النوم، والإهانة النفسية لإجبار المعتقلين على الاعتراف.
ووفقاً لـ ADHRB، لم تتخذ السلطات أي إجراءات فعالة لمحاسبة المتورطين في التعذيب، بمن فيهم مسؤولون بارزون من العائلة الحاكمة وقيادات في وزارة الداخلية، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.
القضاء العسكري والإعدام: أدوات للقمع السياسي
ويلفت التقرير إلى استخدام السلطات البحرينية لآليات قضائية وقانونية تُقوّض العدالة وتُستخدم كأدوات قمعية:
أولاً: المحاكمات العسكرية للمدنيين: يُبرز التقرير استمرار تطبيق التعديل الدستوري لعام 2017 الذي يجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، رغم تعارضه مع التوصيات الدولية.
ويُعد هذا التعديل أداة لمحاكمة المدنيين بتهم “الإرهاب” في محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة، وتستند إلى اعترافات منتزعة بالقوة. ورغم غياب محاكمات مشابهة علنية في السنوات اللاحقة، ترى المنظمة أن بقاء النص الدستوري على حاله يعني أن الخطر ما زال قائماً ويمكن إعادة استخدامه في أي وقت كأداة سياسية.
ثانياً: العودة لتنفيذ عقوبة الإعدام: تشير المنظمة إلى أن البحرين عادت منذ عام 2017 إلى تنفيذ أحكام الإعدام بعد أن كانت مجمّدة لسنوات، رغم المطالبات الدولية المتكررة بتعليقها.
وتوضح أن غالبية أحكام الإعدام استندت إلى اعترافات قسرية انتُزعت تحت التعذيب، مثل قضية المعتقلين محمد رمضان وحسين موسى.
ولا يزال 26 شخصًا على الأقل مهددين بالإعدام، بينهم قُصّر ومعتقلون سياسيون، في ظل نظام قضائي يفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
الإخلال بالضمانات القانونية وظروف الاحتجاز المزرية
ويؤكد التقرير أن البحرين لا تلتزم بالضمانات القانونية الأساسية منذ لحظة الاعتقال، فالموقوفون يُحرمون من التواصل مع محاميهم أو أسرهم، وتُقبل الاعترافات القسرية أمام المحاكم رغم أن القانون البحريني نفسه ينص على بطلانها، حيث يتجاهل القضاة آثار التعذيب الواضحة على المتهمين ويواصلون إصدار الأحكام بناءً على تلك الاعترافات.
الحبس الانفرادي والعقاب الجماعي
يُبرز التقرير الاستخدام الواسع للحبس الانفرادي التعسفي كوسيلة للعقاب، رغم أن القانون الوطني يحدده بسبعة أيام كحد أقصى.
ويُستخدم الحبس الانفرادي ضد المعتقلين الذين يحتجون على ظروفهم، ويقترن غالباً بالحرمان من الرعاية الطبية والاتصال بالعائلة.
وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسات، إلى جانب استخدام العقاب الجماعي كما حدث في سجن الحوض الجاف، ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية التي تمثل شكلاً من أشكال التعذيب.
أوضاع السجون
وتصف المنظمة أوضاع السجون بأنها لا تزال مزرية رغم الإصلاحات المعلنة، مشيرة إلى أن الاكتظاظ وسوء النظافة وحرمان السجناء من الغذاء والماء الكافي والرعاية الصحية ما زالت أمورًا شائعة.
ويستشهد التقرير بما حدث في سجن جو في أغسطس 2024، حيث قُطعت الكهرباء والمياه عن المعتقلين لأكثر من 12 ساعة في ظل حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية، مما شكل خطراً على حياة ذوي الأمراض المزمنة.
استهداف المدافعين وضعف حماية المرأة والطفل
ويؤكد التقرير أن سياسة الدولة في التعامل مع المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين لم تتغير، حيث ما زال العديد منهم قيد الاعتقال، بينهم عبد الهادي الخواجة وعبد الجليل السنكيس، الذين يعانون من ظروف قاسية وحرمان من العلاج، كما تواصل السلطات استخدام سحب الجنسية كأداة للانتقام السياسي.
وفيما يتعلق بقضايا العنف ضد المرأة والعقوبة البدنية للأطفال، يوضح التقرير أن التقدم محدود جداً.
فعلى الرغم من إلغاء المادة التي كانت تعفي المغتصب من العقوبة إذا تزوج ضحيته، ما زالت مواد أخرى تمنح تخفيفاً في ما يسمى “جرائم الشرف”.
كما تشير المنظمة إلى غياب تشريعات تجرّم بوضوح العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، واستمرار استخدام العقوبة البدنية ضد الأطفال دون حظر قانوني صريح.
خلاصة: دعوة أممية لتنفيذ التوصيات الجوهرية
ويخلص تقرير ADHRB إلى أن البحرين، رغم بعض الخطوات الرمزية، لم تُحقق أي تحول جوهري منذ 2017، واستمرت في تجاهل التوصيات الأممية.
وتؤكد المنظمة أن النظام القائم “صُمم بطريقة تضمن غياب المحاسبة واستمرار الانتهاكات”. وتدعو المنظمة لجنة مناهضة التعذيب إلى إعادة التأكيد على شواغلها، ومطالبة البحرين بتنفيذ التوصيات المؤجلة بصورة كاملة، ولا سيّما تلك المرتبطة بـالتعذيب، والإعدام، واستقلال القضاء، والحق في المحاكمة العادلة، معتبرة أن أي إصلاح لا يطال هذه القضايا الجوهرية سيبقى مجرد تكرار للوعود غير المنفذة.
