الأخبار

الإعلام والانتخابات في العراق بين سلطة التوعية وخطر التوجيه

الهدى – متابعات ..

تُعد العلاقة بين الإعلام والانتخابات في المشهد العراقي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مسيرة البناء الديمقراطي، حيث يتقاطع الحق بالمعرفة مع محاولات مكثفة للتأثير والتوجيه.

فبينما يُفترض أن يكون الإعلام، بشقيه التقليدي والرقمي، منبراً حراً لنقل الحقيقة وتمكين الناخب من اتخاذ قراره عن وعي، تتحول بعض المنصات في أوقات كثيرة إلى أدوات للدعاية وتشكيل الرأي العام بما يخدم أجندات سياسية محددة.

ومع تنامي الدور الجارف لـمواقع التواصل الاجتماعي وتراجع هيمنة الإعلام التقليدي، باتت ساحة التأثير أوسع وأكثر تشابكاً، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الموضوعية، ومسؤولية الإعلاميين، ومدى وعي الجمهور بما يُبث إليه من رسائل انتخابية موجهة، خاصة وأن العراق يعيش حالياً فترة الانتخابات التي يتجلى فيها الدور الحاسم للإعلام في تشكيل الرأي العام.

تأثير الثقافة التقليدية

ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عامر حسن فياض، أن الرأي العام في العراق يتأثر بجملة من العوامل، أبرزها الثقافة السائدة، والزعماء والقادة، والأحداث الجارية.

ويشير إلى أن الثقافة المجتمعية التقليدية ما زالت تهيمن على وعي الناس وسلوكهم السياسي، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكوين الرأي العام وتوجهاته.

ويوضح فياض في تصريح لـه، أن تأثير الزعماء والقادة، وهم في الغالب رجال سياسة، يكون مرتبطاً بـالمصالح السياسية أكثر من ارتباطه بـالمصلحة الوطنية العامة، مؤكداً أن الرأي العام كـ “ظاهرة اتصالية إعلامية” يرتبط وجوده وتنوعه وتغيره بوسائل الاتصال المختلفة.

وينوّه بأن الإعلام يلعب أدواراً متعددة تتراوح بين الدعاية والإعلان، وأحياناً الحرب النفسية ونشر الشائعات، ما يجعله ينحرف عن رسالته الأساسية المتمثلة في نقل الحقيقة.

ويختتم فياض بالتأكيد على أهمية إعادة توجيه الخطاب الإعلامي نحو الوعي الوطني والموضوعية، بعيداً عن التأثيرات السياسية والثقافية الضيقة، لضمان بناء رأي عام ناضج يسهم في تعزيز الديمقراطية.

الإعلام.. سلطة رابعة بين النقد البنّاء والمساءلة القانونية

من جانبه، يؤكد الخبير القانوني علي التميمي أن للإعلام دوراً محورياً كسلطة رابعة وأداة لتوعية المجتمعات والكشف عن الجرائم، لكنه يرى أن الواقع في العراق يظهر أن بعض وسائل الإعلام أصبحت مسخّرة لأجندات معينة ودعاية لشخصيات سياسية، بعيداً عن دورها الحقيقي في خدمة المجتمع.

ويشدد التميمي على أن الإعلام الحقيقي يجب أن “يترجم احتياجات المجتمع ويقدم المعلومات بشكل موضوعي، دون تمييز بين الطوائف أو الفئات”، وأن يكون قادراً على نقل الحقيقة حتى ولو كانت غير مريحة، لافتا إلى أن النقد البناء هو وسيلة للإصلاح والتطوير وليس مجرد توبيخ.

وفي سياق المسؤولية المهنية والقانونية، بيّن التميمي أن العديد من الإعلاميين بحاجة إلى دورات تدريبية للتمييز بين النقد البناء والإساءة والتعامل بحذر مع ذكر الأسماء لتجنب المساءلة القانونية.

ويشير إلى أن القوانين العراقية الحالية، مثل المواد 433 و435 و436، تعالج القذف والتشهير، وأن عدم الالتزام بالمعايير المهنية قد يعرّض الإعلاميين للمساءلة المدنية أو الجزائية.

وشدد الخبير القانوني على أهمية الضمير المهني والالتزام بالقيم الأخلاقية، وعدم التمييز الطائفي في العمل الإعلامي.

السلطة الإعلامية: أداة للبناء أم وسيلة للهدم؟

ويصف الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور خالد العرداوي، الإعلام بأنه سلطة قائمة بذاتها، لكنها سلطة من نوع خاص تتوقف إيجابياتها وسلبياتها على طبيعة القائمين على إدارتها.

ويوضح العرداوي أن الإعلام يلعب اليوم دوراً مهماً في قضايا بناء الدولة، والإصلاح، ومكافحة الفساد، ومحاربة الجريمة المنظمة، ورفع الوعي الثقافي والاجتماعي، مشيراً إلى أن العملية الانتخابية جزء من القضايا التي يؤثر فيها الإعلام بوضوح.

ويحذر العرداوي من أن سوء استخدام السلطة الإعلامية يمكن أن يوجه الرأي العام نحو أجندات سياسية مدمرة، مستشهداً بتجربة الإعلام في العهد النازي الذي ساند سلطة عنصرية أدت إلى حروب كارثية.

ويعزو سبب هذه الانحرافات إلى القيادات والأدوات البشرية التي تدير الإعلام. وينتقد بشدة تحوّل الإعلام أحياناً إلى “أداة دعائية مبتذلة” لصالح طرف سياسي على حساب آخر، واصفاً هذا النوع من الإعلام بأنه “منحاز” وليس محايداً.

ويشدد العرداوي على أن دور الإعلام يجب أن لا يقتصر على الحياد السلبي، بل يجب أن يكون فاعلاً ومساهماً في خدمة مصلحة الدولة والمجتمع.

ويرى أن الخروج من هذا الدور السلبي يتطلب وجود إدارات مهنية كفوءة تنحاز بشكل كامل إلى مصلحة بناء الدولة والمجتمع، دون أن تنزلق إلى موقع التبعية أو الترويج لطرف سياسي معين.

الإعلام المموّل: تجهيل المواطن وتكريس الطائفية

وتشير رئيسة مؤسسة (نَما) للتدريب الإعلامي والكاتبة الصحفية والإذاعية، أمل صقر، إلى أن عدداً من القنوات الإعلامية في العراق باتت مُوجَّهة لخدمة أجندات سياسية محددة، بعضها مملوك لأحزاب أُنشئت خصيصاً لتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالحها.

وتؤكد أن هذا التوجيه يتم بأسلوب سلبي لا يهدف إلى التوعية، بل إلى “تجهيل المواطن وإبعاده عن المعلومة الصحيحة”.

وتلفت صقر إلى أن بعض البرامج بدأت مؤخراً تروّج للطائفية بشكل علني، مما يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية.

وفي السياق ذاته، حذّر المحلل السياسي الدكتور علي مهدي من خطورة استخدام وسائل الإعلام كأداة للتوجيه وخدمة أجندات سياسية محددة، مشيراً إلى أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم أدوات التأثير في قناعات الناس.

وينوه مهدي، بأن وسائل الإعلام تلجأ إلى أساليب متعددة كـ تضخيم بعض الأحداث أو التقليل من شأنها، وانتقاء المحللين، وتكرار الرسائل الإعلامية بهدف ترسيخها.

ويشدد على أن مواقع التواصل الاجتماعي هي “اللاعب الأبرز في تشكيل الرأي العام” حالياً، لكنها قد تنشر أفكاراً ومعلومات منقوصة أو موجّهة، ما يؤدي إلى انقسام المجتمع.

وختاماً، دعا مهدي إلى ضرورة تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، مؤكداً أن المواجهة الحقيقية تكون بـ”البحث عن المصدر الأساسي، والتفكير قبل التفاعل مع المحتوى”، حيث يبقى دور المتلقي هو الأهم في التمييز بين الحقيقة والتوجيه.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا