الأخبار

المدارس الأهلية تتحول إلى “صناعة استثمارية” والتربية تكافح لفرض الرقابة والجودة

الهدى – متابعات ..

يشهد المشهد التعليمي في العراق تحولاً جذرياً يتمثل في النمو الهائل للمدارس الأهلية على حساب تراجع إمكانيات المدارس الحكومية، التي تعاني من استنزاف كوادرها بفعل التقاعد أو هجرتهم نحو القطاع الخاص.

وبحسب إحصائيات متصاعدة، فقد تضاعف عدد المدارس الأهلية الابتدائية والثانوية من 2884 مدرسة في عام 2023 إلى ما يفوق عشرين ألف مدرسة في عام 2024، وفقاً لتصريح نقيب المعلمين عدي العيساوي، مما يكشف عن انتقال واسع في خارطة التعليم نحو القطاع الخاص.

وهذا التحول، الذي كان يُنظر إليه كخطوة لتقديم “تعليم أفضل” وبيئة أكثر انضباطاً، بدأ يكشف عن وجه مغاير، حيث أظهرت نتائج الامتحانات الوزارية الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الرسوب داخل عدد من المدارس الأهلية.

وهذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول مستوى جودة المناهج وكفاءة الكوادر وغياب الرقابة التربوية الفعالة، الأمر الذي أدى إلى خلل بنيوي في فلسفة التعليم الأهلي، بدأ بغياب المعايير الأكاديمية الصارمة، مروراً بالهيمنة المالية والإعلانية، وصولاً إلى مستوى تعليمي ينتج جيلاً يفتقر إلى الفهم العميق ويواجه الامتحانات بنتائج صادمة.

التعليم الأهلي بين التربية والاستثمار

وفي السنوات الأخيرة، تحوّل التعليم الأهلي في العراق من مشروع تربوي إلى “صناعة مزدهرة” تُدار بمنطق السوق والاستثمار بدلاً من روح المدرسة.

والمؤسسات التي تأسست بهدف “دعم التعليم الحكومي وتقديم نموذج عصري” باتت تُدار بعقلية ربحية خالصة، تضع الربح في صدارة الأولويات وتؤجل الجانب التربوي.

وفي هذا السياق، أكدت وسيلة عباس، مديرة مدرسة آيات الأهلية في بغداد، أن الخلل بدأ فعلياً بتحول المستثمر إلى صاحب القرار المطلق في المدرسة، متدخلاً في تفاصيلها الإدارية والمالية والتربوية على حد سواء.

وأشارت إلى أن أغلب المستثمرين الذين دخلوا هذا القطاع هم من التجار لا ذوي الاختصاص التربوي، مما عكس نفسه على كل جوانب العملية التعليمية، بدءاً من اختيار الكادر، مروراً بأسلوب الإدارة، وانتهاءً بالتقييم.

وأضافت عباس، أن ضعف شخصية بعض المدراء أمام سلطة المستثمر زاد من تفاقم الأزمة، حيث تحول المدير من قائد تربوي إلى موظف يسعى لإرضاء المالك وتحقيق الدخل المطلوب، موضحة أن اختزال دور المدير في الجانب المالي يؤدي إلى تهميش التعليم وتحويل الطالب إلى مجرد وسيلة لجني الأرباح.

كما أشارت إلى مساهمة بعض أولياء الأمور، عن غير قصد، في ترسيخ هذه المعادلة حينما أصبح نجاح أبنائهم “مطلباً غير قابل للنقاش”، بغض النظر عن مستواهم العلمي الحقيقي، مؤكدة أنه في هذا المناخ، تراجعت سلطة المعرفة أمام سلطة المال، وغابت فكرة “المدرسة” كفضاء تربوي لصالح مفهوم “المشروع التجاري”.

إجراءات وزارة التربية لتعزيز الرقابة

وفي محاولة للحد من الخلل المتنامي في المدارس الأهلية وارتفاع نسب الرسوب، بدأت وزارة التربية بتطبيق سلسلة من الإجراءات لتعزيز الرقابة وضمان جودة التعليم. وفي حديث صحفي له، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية، كريم السيد، أن الوزارة شكلت لجنة قبل أكثر من عامين لإعادة النظر في معايير المدارس الأهلية وتجديد الإجازات، مشدداً على مراقبة جميع الجوانب المتعلقة بتقييم واقع وتجربة هذه المدارس، وأن هذه الإجراءات تشكل جزءاً أساسياً من البرنامج الحكومي الهادف إلى تقوية دور المدارس الأهلية ومنحها مكانتها الحقيقية ضمن العملية التعليمية، مع التركيز على متابعة النتائج الوزارية بشكل دقيق.

وأضاف السيد أن الوزارة بدأت مراجعة الصفوف غير المكتملة نتائجها لمقارنة المخرجات بين المراحل المختلفة، بهدف تقييم التجربة بدقة وإعادة النظر في أي مدرسة لا تستوفي الشروط أو تُظهر ضعفاً في الأداء، مشيراً إلى أن هناك العديد من المدارس التي لم يتم تجديد إنجازاتها بسبب ضعف النتائج أو وجود إشكالات في الجوانب التعليمية والإدارية، مما يدفع الوزارة لاتخاذ خطوات تصحيحية لضمان الالتزام بالمعايير وتقديم تعليم حقيقي وفعال.

وأوضح أن الإجراءات تشمل مراقبة الكوادر ومراجعة المناهج، وتلقي شكاوى الأهالي والطلاب بشكل دوري، لضمان بيئة تعليمية صحية وفعالة، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو تحقيق توازن بين حرية المدارس الأهلية واستيفاء المعايير التربوية والأكاديمية، بما يعيد الثقة إلى هذا القطاع الحيوي.

المدارس الحكومية: تحديات الاكتظاظ ومشاريع البناء

في المقابل، تستمر المدارس الحكومية في مواجهة تحديات حقيقية تتعلق بالقدرة الاستيعابية، حيث يزداد عدد الطلبة بوتيرة تفوق قدرة البنية التحتية، ما يؤدي إلى اكتظاظ الصفوف وضغط الدوام، مما يدفع آلاف العائلات للجوء إلى المدارس الأهلية التي توفر بيئة أكثر هدوءاً.

ورغم هذه الضغوط، تبقى المدارس الحكومية هي العمود الفقري للنظام التعليمي، وتحافظ على صرامة القواعد الإدارية ودقة التنظيم.

وفي هذا الإطار، أشارت ابتسام إسماعيل، معاونة إعدادية الثورة العربية في بغداد، إلى أن الازدحام والانشطار في الصفوف هما نتيجة حتمية لتزايد أعداد الطلبة والنزوح السكاني، مؤكدة أن الوزارة تعمل على معالجة هذه التحديات عبر خطط استراتيجية طويلة الأمد تشمل بناء مدارس جديدة، وإعادة توزيع الطلاب، ومراقبة تطبيق القواعد بدقة، لضمان بقاء المدرسة الحكومية بيئة تعليمية رصينة ومنضبطة.

ولمعالجة أزمة الأبنية المدرسية التي تتطلب آلاف المدارس الجديدة، أكد كريم السيد أن الوزارة ماضية في تنفيذ مشاريع كبرى ضمن البرنامج الحكومي، تهدف إلى إنهاء ظاهرة الدوام المزدوج والثلاثي من خلال إنشاء أبنية مدرسية جديدة بمواصفات حديثة.

وقد كشفت أحدث الأرقام الرسمية عن افتتاح 210 مدارس جديدة ضمن الاتفاقية مع الصين، وإنجاز 500 مدرسة جديدة ضمن خطة من ثلاثة محاور، بالإضافة إلى العمل على إنشاء 1000 مدرسة نموذجية ضمن القرض الصيني تم إنجاز 968 مدرسة منها حتى الآن، لتقليص الفجوة المتوقعة للأبنية إلى نحو سبعة آلاف بناية.

ورغم هذه الجهود الكبيرة، لا تزال البلاد بحاجة إلى أكثر من خمسة عشر ألف مدرسة جديدة لسد الفجوة الحالية بشكل كامل.

وأوضح السيد أن الوزارة تركز على توزيع المشاريع بحسب المحافظات الأكثر اكتظاظاً، مع تجهيز المدارس بالمختبرات والمكتبات والمرافق الصحية، في تحرك نوعي يهدف إلى إعادة التوازن للتعليم الحكومي ومنح الطلاب فرصة التعلم في بيئة مناسبة وآمنة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا