قراءة فی کتاب

فاطمة الزهراء من المهد الى اللحد

قبل ظهور هذا الكتاب القيّم عام 1972، يقول سماحة الخطيب المفوّه، والباحث المجدّ؛ السيد محمد كاظم القزويني –طاب ثراه- أنه كان يفكر بتأليف هذا الكتاب منذ سنوات على هذا التاريخ، أي في سني الستينات، وجاء التوفيق الإلهي على شكل نَذر عقده المرحوم على نفسه لأزمة ألمّت به إن قضاها الله –تعالى- يؤلف كتاباً عن الصديقة الزهراء، عليها السلام، وكان هذا السفر الرائع.

وللتنويه؛ فإني اعتقد أن كل كاتب يحمل انعكاسات نمط حديثه وكلامه، ويلقيها عفويةً و لاإرادية على ما يخطه من كلمات على الورق –أو على جهاز الحاسوب حالياً- فمن يتحدث بهدوء واتزان، نرى صورة هذا النمط على كتابته كما الصورة في المرآة، وهكذا من يتحدث بحماس وانفعال، و آخر يتحدث بلغة علمية دائماً، أو لغة فوقية، او بعكسها؛ لغة متواضعة مع الآخرين، وعندما أعود لقراءة هذا الكتاب ومؤلفات أخرى من سلسلة “من المهد الى اللحد” أخال أنني جالس تحت منبره المنيف أيام زمان، وهو يصدع بنشر سيرة وثقافة أهل بيت رسول الله، بلغته السلسة والمتزنة، وايضاً؛ العصرية الموثقة، فهو يُعد من مشاهير “السهل الممتنع” في الحديث والكتابة.

وفي هذا المؤلف –عزيزي القارئ- الذي اخترناه للقراءة لنستقبل به أيام الفاطمية الثانية، لا لاستعادة الشجون والآلام فقط، وإنما للاستزادة من سيرة حياة هذه الصديقة العظيمة، مما ميّز هذا المؤلف عن نظرائه بأنه يتحدث بلغة وطرح تجعل شخصية الزهراء طريقاً معرفياً طويلاً لا ينتهي، فهي “شخصية كلما ازداد البشر نضجاً وفهماً للحقائق، واطلاعاً على الأسرار، ظهرت عظمة هذه الشخصية بصورة أوسع، وتجلّت معانيها ومزاياها بصورة أوضح”، بمعنى أنها، عليها السلام، وسائر المعصومين، صنو القرآن الكريم، كالشمس الساطعة كل يوم لها إشراقة جديدة على عالم وواقع جديدين تكشف لنا حقائق ومعارف جديدة.

“فاطمة من المهد الى اللحد”، لم يقتصر على سرد مرويات تاريخية عن طفولتها وصباها، ثم شبابها، زواجها، والاحداث التي واكبتها مع أبيها رسول الله، ومع مجتمعها المكي، ومن ثم؛ المجتمع المدني، وما جرى عليها من مظالم فضيعة، وهو ما تدرج عليه معظم المؤلفات في سيرة هذه الصديقة الطاهرة، وهو حسنٌ لاشكّ، للإبقاء على مشعل الهدى وهاجاً في النفوس بأكثر عدد ممكن من المؤلفات، وبأساليب طرح متعددة، إنما التميّز في كتاب المرحوم القزويني في الكشف عن ظلامات الزهراء على يد أبناء الجيل الجديد، ومشاركتهم في تجديد الطعن بشخصيتها والتقليل من شأنها، وبعد مضي أربعة عشر قرناً من الزمن، وهو ما يحزّ في النفس حقاً، أن يجتر بعض دعاة التوثيق والبحث والدراسة، مظالم وجرائم ومفاسد الماضين من مخلفات العهد الجاهلي في مؤلفاتهم في العقود القليلة الماضية.

سماحة المؤلف المُجد يورد مثالاً من كتاب تحت عنوان “حياة محمد” لمستشرق مسيحي يدعي؛ إميل درمنغم، و”الكتاب كله كذب، و زور، وضلال، ودسّ، ودجل، وتهجّم  على الإسلام والقرآن والنبي الأكرم، وقد ترجم الكتاب أستاذ فلسطيني يُدعى؛ محمد عادل زعيتر، ولم يعلق على خرافات الكتاب واساطيره وأكاذيبه، وهو يزعم أنه يراعي أمانة النقل! وليت شعري هل التعليق على الباطل ينافي أمانة النقل؟”، ومن جملة الأباطيل: “كانت فاطمة عابسة، دون رقية جمالاً، و دون زينب ذكاءً، ولم تدرِ فاطمة حينما أخبرها أبوها من وراء الستر أن علي بي أبي طالب ذكر اسمها، وكانت فاطمة تعد علياً ذميماً –حاشاهما- محدوداً مع عظيم شجاعته”!

“فاطمة من المهد الى اللحد”، لم يقتصر على سرد مرويات تاريخية عن طفولتها وصباها، ثم شبابها، زواجها، والاحداث التي واكبتها مع أبيها رسول الله، ومع مجتمعها المكي، ومن ثم؛ المجتمع المدني، وما جرى عليها من مظالم فضيعة

ومن قبيل هذه المحاولات البائسة للتقليل من شأن الصديقة الزهراء وشخصيتها الرفيعة إقحام اقوال مزيفة في التاريخ بأن كانت تشترك في المعارك كـ “مُسعفة”، تضمد الجرحى! بينما الثابت في مصادرنا الموثقة أنها قامت بهذا الدور حصراً لأبيها النبي الأكرم، عندما جاءت بعد معركة أحد و وجدت ما بوالدها المصطفى من جراحات، وكان امير المؤمنين قريباً منهما، “فغسلت الدماء عن وجه أبيها، وكان علي يصبّ الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة عَمِدت الى قطعة حصيرة فأحرقتها، وجعلت رمادها ضماداً على جبهة أبيها، وألزمته الجرح، فاستمسك الدم”.

وبعد أن يتطرق سماحة المؤلف الى غزارة وعمق علم الزهراء، واتصاله بمعين النبوة والسماء، يدعونا سماحة السيد القزويني في صفحة 193 من كتابه الى قراءة ما يذكره عباس محمود العقاد؛ الكاتب المصري الشهير “ثم اضحك أو ابكِ”! “ذكر العقاد في كتابه: فاطمة والفاطميون: أحاديث سقيمة استحسنها هو، وكأنه أعجب بها، ومن جملتها هذه الخرافة:

ومن فطرة التديّن في وريثة محمد وخديجة، أنها كانت شديدة التحرّج فيما اعتقدته من أوامر الدين، حتى وهمت أن أكل الطعام المطبوخ يوجب الوضوء”!

هكذا يصوّر كتّاب وباحثون من مستوى و وزن العقّاد الذي يعده الكثير من “القامات” في الفكر والثقافة.

بالمقابل نجد أسماء من شريحة المثقفين أنصفوا الزهراء في ظلامتها ومنزلتها، ففي صفحة 420 من كتابه يوثق السيد القزويني مظلومية الزهراء على لسان الجاحظ؛ الأديب والكاتب المعروف من العهد العباسي، وهو من غير الموالين لأهل البيت، عليهم السلام، وهو يتطرق الى واقعة زجر الصديقة الزهراء للإثنين اللذَين زاروها في مرضها وهي ناقمة عليهما لما فعلا من انتهاك لحرمة الله ورسوله، وغصب حقها والهجوم على دارها والتسبب في أذاها المريع، فيما كان الأول يسعى متذللاً لنيل رضاها دون جدوى.

السيد القزويني يسأل: “قد يسأل القارئ: ما دعا أبوبكر أن يلين ويخضع هكذا؟!

وما دعا الزهراء أن تثبت على رأيها، ولا تتضعضع عن موقفها؟

لقد أجاب الجاحظ على هذا السؤال، وكفانا مؤونة الجواب حيث قال في رسائله، صفحة300: فإن قالوا كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازدادت عليه  غلظة، ازداد لها ليناً ورقّة حيث تقول: والله لا أكلمك أبداً، فيقول: والله لا أهجرك أبداً، ثم يتحمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضور قريش والصحابة مع حاجة الخلافة الى البهاء والتنزيه، ….”، ثم يردف الجاحظ معلقاً على قول المشايعين لـ “الخلافة” بأن: “ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر اذا كان أريباً وللخصومة معتاداً أن يظهر كلام المظلوم وذلّة المنتصف”.

مظلومية الصديقة الزهراء لم تبدأ وتنتهي عند حرق باب دارها، وكسر ضلعها، وإسقاط محسنها، ونكران حقها في فدك، والتنكّر لمنزلتها ومنزلة أمير المؤمنين من رسول الله، بل وانتهاك حرم الله وحرمة الرسول في أهل بيته، وإنما المظلومية مستمرة حتى اليوم، فهناك من يماري في قضية الهجوم على الدار، ومن يشكك، ويضعّف، ويجادل، كل هذا داخل “البيت الشيعي” مع كل الأسف.

التميّز في كتاب المرحوم القزويني في الكشف عن ظلامات الزهراء على يد أبناء الجيل الجديد، ومشاركتهم في تجديد الطعن بشخصيتها والتقليل من شأنها، وبعد مضي أربعة عشر قرناً من الزمن، وهو ما يحزّ في النفس حقاً، أن يجتر بعض دعاة التوثيق والبحث والدراسة

لذا فان سماحة السيد القزويني يعنون الصفحة الأخيرة من هذا السفر؛ “ختام واعتذار”، بأن “يجب أن لا ننسى أننا لم نذكر إلا بعض المتقطفات من ترجمة السيدة الزهراء، فلو اردنا أن نذكر ما سجلته التواريخ واحتوته موسوعات الاحاديث، لكان هذا الكتاب اضعاف هذا الحجم من حيث غزارة المواد ولكننا اكتفينا هنا بما يسهل قبوله ولا يعسر على العقول هضمه ولا يصعب على النفوس تحمله”.

علماً أن هذا الكتاب بواقع 480 صفحة من القطع الوزيري، و الطبعة التي بين أيدينا تمت من قبل مؤسسة الأعلمي للمطبوعات عام 1991، وقد طبع الكتاب مرات عدّة من دور نشر عديدة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا