الأخبار

الثقافة الإسعافية؛ طوق النجاة المفقود في حياتنا اليومية

الهدى – متابعات ..

تتكرر في حياتنا اليومية لحظات حاسمة تفصل بين الحياة والموت، أو بين الشفاء والإعاقة الدائمة، وهي اللحظات التي يتعرض فيها شخص ما لإصابة أو حادث سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع.

فإما أن نكون مدعومين بمعرفة أولية بالإسعافات التي من شأنها إنقاذه لحين وصوله إلى أقرب مستشفى، أو نقف عاجزين عن أي إجراء صحيح، بل وقد نجري أخطاء إسعافية تسبب له ضرراً أكبر.

وهذه الحقيقة تستدعي التوقف أمام الحاجة الماسة لتعميم الثقافة الإسعافية في المجتمع، لتتحول من معلومات ترفيهية إلى ضرورة وجودية.

بين اليد المبتورة والعمود الفقري المتضرر: أهمية المعرفة الصحيحة

والفارق كبير بين إنقاذ حياة أحدهم أو التسبب في تدهور حالته، ويتجسد هذا التباين في قصص حقيقية.

ففي إحدى أرياف أبو غريب عام 2016، تعرّض طفل لبتر يده عن طريق آلة حادّة تحصد الزرع. فقام والده، الذي كان مزوداً بمعلومات إسعافية صحيحة تلقّاها عبر دورات تعليمية، بأخذ اليد المبتورة وتغليفها في نايلون مع قنينة ثلج، وسيطر على النزف.

ونجح الفريق الطبي في مستشفى الواسطي، بإشراف الدكتور أثير محمد برهان العامري، في إرجاع اليد المبتورة، وعاش الطفل سليماً دون إعاقة بفضل تصرف والده السليم.

في المقابل، يروي أحد المسعفين عن رجل تعرض لحادث دهس، ولكنه أُصيب بشلل دائم وتدمرت حياته بالكامل بسبب معالجة ومحاولة إنقاذ فوضوية من أحد المارة بحركات خاطئة ودون أي معرفة بالإسعاف الأولي، ما أدى إلى إصابة العمود الفقري للمصاب بشكل مباشر. وتؤكد هذه الحوادث على أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، فنحن جميعاً بحاجة إلى ثقافة إسعافية ممنهجة.

كوارث الحرائق ودروس في التصرف السليم

إن الكوارث الأخيرة، مثل حريق “عرس الحمدانية” و “سوبر ماركت الكوت” وغيرها، تدلّ على سوء التعامل مع الحرائق.

ويكمن الخلل في مستويين: الأول يتعلق بالبناء الخاطئ للمولات وصالات الأعراس دون علم بالمواد المستخدمة التي تساعد على الاشتعال، أو غياب سلالم النجاة وإجراءات السلامة الأساسية.

أما الثاني فيتعلق بعدم معرفة التصرف السليم من قِبل الضحايا وعدم تلقّيهم التدريبات اللازمة للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث مسبقاً.

إن حاجتنا لهذه المعرفة بالإسعافات الأولية تبدأ من الأمّ والأب وتعليمهما للأولاد أبسط الأمور الإسعافية، مع وجود الحقيبة الخاصة بالإسعافات ومعدّاتها، ووجود مطفأة الحريق والإحاطة بأنواعها في البيت والسيارة والمدرسة وباقي دوائرنا والأماكن العامة.

ريادة تاريخية وعمل إنساني في شوارع بغداد

من الجدير بالذكر أن أول من أسّس علم الإسعافات الأولية وهدانا إليه كان أبو بكر الرازي، فإضافةً إلى الكثير من اكتشافاته، قام بصنع مراهم الزئبق، وأوجد الفروق بين النزيف الشرياني والوريدي، وعمل على استخدام الربط لإيقاف النزف الشرياني، والتعامل مع النزيف الوريدي وإيقافه بالأصابع.

في حين كان فريدريش إسمارش، وهو جرّاحٌ ألماني، أول من أسّس علم الإسعافات الأولية الحديث عام 1882، حين قام بإنشاء منظمة لإنقاذ المصابين في الحروب وغيرها.

وفي العصر الحديث، برزت ظواهر إنسانية استثنائية في العراق، مثل خلدون الصعب، مؤسس مجموعة الإنقاذ الفوري “المسعف الجوال التطوعي”.

حيث قرر الصعب، أن يكون مسعفاً جوّالاً فورياً عبر درّاجته، ويقوم بوضع رقم هاتف له ليتاح التواصل معه مباشرةً للحالات الطارئة.

وإضافةً إلى عمله التطوعي كمسعف جوّال، يقوم بتعليم الناس عند أي تجمّع مبادئ الإسعافات الأولية وشرح الخطوات الصحيحة من الخاطئة.

وقد كان “الصعب” من المتطوعين لإنقاذ ضحايا زلزال تركيا 2023. وقد تحدث عن بداية رحلته وفريقه الإنقاذي قائلاً: “بدأت فكرة الإنقاذ الأولى عام 2015 لإنقاذ المهاجرين في البحر ما بين تركيا واليونان، ومنها كان الانطلاق، فكانت مجموعة إنقاذ المهاجرين واستمرت لثلاث سنوات، بعدها في عام 2017 أسست الإنقاذ الفوري من الحوادث لحين وصول المسعفين ووصول المصاب للمستشفى، وانطلقت مجموعتي الجوالة أيضاً، لكنني الوحيد بينهم وسيلتي الدراجة الهوائية”.

ويسرد خلدون إحدى قصص وصوله السريع، حيث تمكن من إيقاف نزيف حاد من شق في رأس طفلة في حادث انقلاب سيارة على الخط السريع، وأنقذ حياتها قبل وصول سيارة الإسعاف.

كذلك، يمتلك المسعف والمدرّب حيدر النوري، المتطوع في جمعية الهلال الأحمر والصليب الأحمر فرع العراق والمدرّب المعتمد في الجمعية الوطنية، الكثير من صولات الإنقاذ وقصص مساعدة الناس.

وشارك النوري بمئات العمليات الإنقاذية في تحرير صلاح الدين والموصل والأنبار، وقدّم برنامج الإسعافات الأولية للمرور العامة وغيرها.

يقول النوري: “بدأت أول عمل تطوعي عام 2007، فتدرّبت وصرت أساعد في العمليات الإسعافية، وأصبحت مدرّباً معتمداً في العام 2010، وتحولت من مسعفٍ إلى مدرّبٍ ومحاضرٍ أقدّم التوعية الإسعافية للجهات الحكومية وطلاب الجامعات والمجتمع المدني والمنظمات”.

ويشير إلى أن دافعه الأساسي كان هوساً بالمساعدة، خاصة بعد مشاهدته لخالته التي توفيت بسبب غصّة لابتلاعها قطعة سدّت مجراها التنفسي، ولم يعرف أحد كيف ينقذها، وهذا خلق عنده ردّ فعل لإنقاذ أكثر من حالة في بيته وأهله بعد تعلمه كيفية الإسعاف، بل أنقذ أحد إخوته الصغار من الاختناق.

أخطاء شائعة تهدد حياة المصابين وضرورة تطوير التدريب

ويشير النوري إلى أن الورش الإسعافية لها أهميتها، لكنها مجرد أداة من مجموعة أدوات لتصحيح مفاهيم إسعافية خاطئة، فالورش يجب أن تكون مدعومة ببرنامج فيديوي منظم يستطيع فعلاً الاستفادة منه، وليس مجرد محاضرات تمر مرور الكرام.

ويعبر عن سعادته عند استقباله رسائل ممن درّبهم تشكره وتدعو له، فمنهم من يخبره أن والده حين ابتلع لسانه استطاع التعامل بوضعه في الأمان الجانبي وإسعافه، وآخر يخبره أنه بفضله بات جديراً بالتعامل مع الكثير من حالات الصرع بعد أن كان صديقه قد كُسر فكه بسبب خطأ إسعافي سابق.

من جهتها، تذكر الدكتورة، خديجة فرج، أن هناك الكثير من الأخطاء الإسعافية الشائعة والمتداولة في حياتنا، منها التعامل مع خلل الضغط دون قياسه بجهاز، والاجتهاد والتنبؤ بوجود هبوط فيتم إعطاء المصاب لبناً مالهاً أو قطعة خيار بملح، ما يسبب موته فوراً عند ارتفاع ضغطه بشكل أكبر.

وكذلك عند حدوث نزيف الأنف، يتم غالباً رفع الرأس إلى الأعلى، وهو تصرفٌ خاطئ، إذ يجب إمالته إلى الأمام. ومن الأخطاء أيضاً التعامل مع الحروق ووضع الثلج عليها، أو وضع موادّ عجيبة وغريبة كمعجون الطماطة، أو فرك العين مباشرةً عند دخول موادّ كيميائية، والصحيح هو غسلها بالماء الكافي بأسرع وقت لحين الإسعاف.

كما يقع الخطأ في التعامل مع الكسور بعبثية دون دراية صحيحة ضمن مفهوم وجوب تحريك وحمل المصاب المكسور بأيّ طريقةٍ لإيصاله إلى المستشفى، وغيرها الكثير بتعدد وتنوّع الحوادث والإصابات.

الإرشاد الإسعافي في المدارس والدوائر الحكومية

وللأسف، أغلب مدارسنا فيها ركن بسيط جداً يسمى “صيدلية”، ولا يحتوي إلا على علاج (باراسيتامول أو خافض حرارة) دون عدة متكاملة للإسعافات الأولية. أضف إلى ذلك أن هذه الصيدلية لا تكون بمعيّة شخص متدرّب ومتخصص، بل ونادراً ما تقدم المدارس معلومات ومحاضرات بسيطة عن كيفية الإسعاف للطلبة والملاك التعليمي معاً.

وهذا ما أكدته التربوية عينة حمزة، وهي تدرّس مادة الفيزياء في “ثانوية الميار للبنات”، لتنقل حاجة جميع المدارس إلى تثقيف ومعلومات في عمليات الإسعافات الأولية، بل وإدراجها ضمن المناهج الدراسية عبر كُرّاس، لأنها طوق نجاة للجميع.

كما شددت على أهمية المطافئ في كل بيت ومكان لما لها من قدرة على إيقاف سرعة الحرائق التي يفقد السيطرة عليها دونها، مشيرة إلى العادات والأخطاء السيئة المتعلقة بالتشاؤم من إدخالها للبيت، بينما هي حماية قصوى لكل عائلة.

ووجب معرفة أن لكل حريق مطفأة خاصة به، حيث تنوعت المطافئ بين فئة A (مطافئ الماء) للورق والخشب، وفئة A وB (الرغوة) للسوائل القابلة للاشتعال، وثاني أوكسيد الكربون لحرائق B وC والكهربائيات، والمواد الكيمائية الرطبة (الفئة K) لحروق زيوت الطهي، إضافة لمطافئ البودرة الجافة الأكثر استخداماً.

واختتم الموظف علاء حسين في وزارة الكهرباء الحديث عن أهمية الإسعافات الأولية في حياتنا بمناشدته، حيث قال: “دون شكّ، الإسعافات الأولية مهمة وتمسّ حياتنا اليومية والعملية، وكلنا معرّضون لمواقفَ وإصاباتٍ تحتاج إلى إسعافٍ أولي.

ويضيف، نحن في وزارتنا لدينا أقسام، حيث يدخل الموظفون في دورات فيها لأجل الترقية، ومنها الإسعافات الأولية”.

وأشار إلى أن الأقسام الفرعية التابعة للوزارة توفر شعبة للسلامة تقتصر على تثقيف الموظفين بالإصابات المتعلقة بالصعقات الكهربائية، وتوفير مطافئ الحريق فقط.

وطالب بضرورة التدريب والتوجيه بباقي الإسعافات الأولية لمختلف الإصابات الأخرى، متمنياً تفعيل هذا الجانب في كل الدوائر لأهميته في نشر الثقافة الإسعافية عند الأزمات والحوادث والإصابات.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا