ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (83) كيف ننمي التقوى في نفوسنا؟

قال امير المؤمنين عليه السلام: “لا يقل عمل عن تقوى وكيف يقل ما يُتقبّل”.

ربما من اسهل الكلمات على لسان المؤمنين بالله كلمة التقوى وربما تكون هذه الكلمة أكثر اشتهارا، فلا أحد ينسى ان شعار كل الانبياء على طول الزمن: {أن اتقوا الله}.

في آيات متعددة يذكر الله كلمات كل نبي {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ}. {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ} {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ}، لكن من اصعب الامور بالنسبة الى الانسان ان ينجح في امتحان التقوى، فكلمة التقوى سهلة في التلفظ، لكنها صعبة في التطبيق، وهي سهلة التلفظ لمن لم يتعرض لامتحان الاغراء، او لم يتعرض لامتحان المال والسلطان، او لم يدخل معركة.

البطل هو الذي يثبت رجولته حينما تقع المعارك

ما هي التقوى؟

من أين نحصل عليها؟

ما ارتباطها بالعمل؟

التقوى: حالة روحية تجعل الانسان يحسب لعبوديته ولربوبية الله كلَّ حساب في كل عمل، وكل موقف، وكل ما يصدر عنه، أن لا ينسى الانسان انه عبد، وأن على رأسه رَبٌ، بحيث يكون هناك الحساب الأوفى لهذه المعادلة، فلان يرضى، وفلان يرفض وما اشبه كل هذا لا قيمة له، في الدرجة الاولى: هل الله يقبل أم لا؟ هل الله يرفض أم لا؟ وهذه هي معادلة المخلوق والخالق، والرب والمربوب.

والانسان يكتشف نفسه من خلال هذه المعادلة، فهل هو من الذين إذا خطا خطوة، او يتكلم بكلمة، او يسافر، او يتخذ موقفا، يحسبون حسابا في إطار هذه المعادلة؟

كما يبدو من القرآن الكريم أن الله خلق الدنيا وفيها رغبات وشهوات، لكن في الآخرة مطية الانسان الى النجاة هي التقوى، بمقدار ما يملك الفرد من تقوى ينجو.

التقوى كيفية لا كمية، ولا قيمة لجحم العمل، القيمة الاساسية لما يرافق العمل من حالة التقوى، ربما يصلي الانسان ركعتي صلاة فيستوجب الجنة، وآخر يصلي سبعين عاما فلا يستحق إلا جهنم، لان ركعتي صلاة جاءت مع التقوى، وزرعت في نفسية الشخص حالة التقوى والمقياس يوم القيامة هو التقوى، أما الآخر الذي يعبد سبعين عاما فلم يزرع في نفسه إلا الأنانية وحب الذات، واتخاذ الهوى إلها من دون الله.

وإذا نظرنا الى المسألة بعيدا عن الرغبات والشهوات، فلا شك ان قلوبنا متعلقة بالدنيا بما فيها من لذة وراحة وما اشبه، إلا ان العاقل حين ينظر الى واقعه ونهايته، فكل شيء ينهار بالموت، فلا يبقى للإنسان شيء من متاع الدنيا. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

هناك نموذجان لا ثالث لهما، فمن يبنى بنيانه على تقوى الله وهو ان يحسب لعبودية الله كل حساب في كل المواقف، وآخر يبني لكن على جرف هار ، فانهار به في نار جهنم، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ” أوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته فإنها النجاة غداً والمنجاة ابداً”، وقال عليه السلام: “رأس الحكمة مخافة الله”.

التفكير يقود الى ان يحصل الانسان على بذرة التقوى، ثم تنمو بالعمل، ثم تزداد بالطاعات، ثم تنمو بالموقف السليمة بمرور الزمن

البعض حين يريد اتخاذ موقف ويتم تذكيره بالله، يلتفت الى شيء غائب عنه، لانه لم يضع اي حساب لله في أموره، لذلك حالة التقوى ليست بالظاهر، وأنما بالخفيات.

وكما يبدو من الآيات القرآنية الكريمة أن كل شيء في هذه الدنيا ـ عند الله ـ وسيلة للحصول على التقوى، حتى العدل {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ}. فيما يرتبط بالنظام الاجتماعي والسياسي للناس، الهدف الاساسي ان يتقي الرئيس والمرؤوس، والعبادات هي مقدمة للحصول على هذا الجوهر ، والانسان يستيطع ان يعرف مقدار ما عنده من هذا الجوهر (التقوى) {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.

كيف نحصل على التقوى؟

بداية الحصول على التقوى هو فهم الحياة؛ فمن آمن بالله، وعرف انه سيموت، وتيقّن بالحساب والعقاب، سيتلزم بواجباته، لكن إذا نسيَ الانسان واجباته، سيكون ايمانه بالله ناقص مثلا، او انه يظن أنه سيكون خالدا دون الخلائق اجمعين في هذه الدنيا. مَن يتذكر أن هناك لحظة يترك الانسان فيها كل شيء ويفد على خالقه سيكون حاله مختلفا تماما.

ما دام ان الله موجود فله اوامر ونواهي، فيعني ان هناك ثواب وعقاب، ونتيجة ذلك إما جنة أو نار، فلا شيء وسط بين الجنة والنار، والموت لا مفر منه، ولهذا يجب ان يحسب الانسان لخالقه كل حساب.

وهذا يقود الى التفكير الجاد(محاكمة الذات) في لحظات لا يشاهدك أحد من أجل الوصول الى الحقيقة لا المظهر، لان التفكير يقود الى ان يحصل الانسان على بذرة التقوى، ثم تنمو بالعمل، ثم تزداد بالطاعات، ثم تنمو بالموقف السليمة بمرور الزمن، حتى يصبح المؤمن رجلا لا تغره الدنيا. يقول امير المؤمنين مخاطبا الدنيا: إليكِ عني لا حان حينكِ قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها” يقول هذه الكلمة حينما كان يحكم امبراطورية كبيرة؛ العراق، وايران، ومصر، واليمن، والحجاز. ولم يقل تلك الكلمة وهو فقير معدَم!

ولا حد للتقوى، لان مجالها واسع، فليست كالمال، او السلطة وما اشبه التي لها حدود، فالتقوى تكامل وارتقاء.

قيمة العمل بالتقوى

“لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يُتقبل”

حجم العمل قيمة العمل لا قيمة له لان الله أكبر منه، لان كل شيء في هذه الحياة بالنسبة الى الله عز وجل صغير في قيمته وحقارته، لكن العمل يصبح ذا قيمة بقبول الله، فإذا قبل الله اعطاءك لتمرة فهذا العمل ذا قيمة.

لن نستطيع أن نكون في أعالمنا كأمير المؤمنين عليه السلام لكنه قال: “اعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد”.

__________

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا