برزت في السنوات الأخيرة، ظاهرة غير محمودة تتعلق بطبيعة العلاقة بين المعلّم والطالب، وطالما أننا لا نزال في بدايات السنة الدراسية الجديدة، من الأفضل أن نبحث هذه العلاقة وما هي الإشكالات التي تشوبها وكيفية معالجتها والارتقاء بالمستوى العلمي للطلبة، طالما أننا نلاحظ جهدا محمودا يقدمه المعلّمون على مدار شهور السنة الدراسية.
نتيجة حالات التغيير التي دهمت واقع المجتمع العراقي، تولَّدت حالة من عدم الثقة بين الطرفين (المعلّم/ الطالب)، ونعني بحالات التغيير ما يتعلق بدخول مواقع التواصل الاجتماعي والشوسيال ميديا في حياة الناس، وكان لشبكة الإنترنيت مزاياه ومحاسنة، وفي نفس الوقت له مساوئه على حياة وحركة وأنشطة المجتمع.
فمثلا لم يعد الطالب محجوب الرؤية والأفق كما كان في السابق، أي في الواقع الذي كان يعيشه الطلاب قبل العالم الافتراضي الذي استجد في حياتهم، الطالب اليوم يرى العالَم كله مفتوحا أمامه، يرى الثقافات الأخرى، ويرى نشاطات التعليم المختلفة في مدارس وجامعات الدول الأخرى، ويقارن بين ما يراه في تلك الدول وما يعيشه في بلده.
الطالب يرى الفارق الكبير بين واقعه التعليمي وبين ما يراه في التجارب التعليمية الأخرى، وهو يعتقد بأنه يتخلف عن الركب العالمي، لكنه يعكس هذا الاختلاف على مدرسته وعلى معلّمه، ويظن بأن سبب قلة المستوى التعليمي يعود إلى المعلّم، لهذا تسود بينه وبين معلميه علاقة لا تقوم على الثقة المتبادلة بينهما.
فالمعلّم حاله حال الطالب، هو أيضا ينظر في العالم الافتراضي ويرى الفارق الشاسع بينه وبين المعلّم في العالَم المتقدم، فالمعلّم عندنا يفتقد إلى فرص التطوير وكذل تنقصه لوازم العيش المرفّه أو حتى الوسط، تنقصه أشياء كثيرة، منها قلة دورات التدريب المهمة التي ترتفع بمستواه التعليمي الذي يقدمه لطلابه، كذلك ينظر إلى البون الشاسع بينه وبين معلّمي البلدان الأكثر تقدما في مجالات كثيرة لاسيما مستوى الدخل المادي.
هذه المقارنة بينه وبين المعلّمين في دول أخرى، تجعله يشعر بالنقص، وبالتالي تنعكس هذه الحالة على قدراته العلمية وأساليب التعليم، وتقل إمكانياته في توصيل المادة العلمية إلى طلابه، بينما الطالب يشعر بأن المعلّم يقصّر في حقه ولا يمنحه المادة العلمية كما يجب، فتسود علاقة بينهما لا تقوم على الثقة المتبادلة.
فيما يتعلق بالعلاقة الإنسانية بين المعلّم والطالب، يجب ان تسود هذه العلاقة حالة إنسانية صرفة، بحيث ينظر المعلّم إلى الطالب كما ينظر لابنه، يحتويه، ويرعاه ويتعامل معه كأنه ابنه، سواء من ناحية توصيل المادة العلمية أو من ناحية العلاقة اللفظية والاحترام المتبادَل بينهما
لهذا مطلوب من المعلّم أن يوضّح هذه الإشكالية لطلابه، ويكون صريحا معهم، وينقل لهم معاناته من ذلك البون الواسع بينه وبين معلمي الدول والمجتمعات المتقدمة، وعلى الطالب أن يتفّهم هذا الأمر جيدا، وأن لا يعفي نفسه من مسؤولية التطوير الذاتي.
بمعنى إن على الطالب أن يتعب نفسه، وأن يبحث ويواكب التطورات العلمية بنفسه، وأن لا يلقي اللوم على المعلّم وحده، حيث يشترك الطرفان في معالجة هذه الإشكالية التعليمية، وهناك أيضا دور للمؤسسة التعليمية نفسها يجب أن تتصدى لها، ونقصد بذلك أهمية أن تتحمل المؤسسة التعليمية التربوية مسؤولية تطوير كوادرها وأن تهتم بكل ما من شأنه الارتقاء بمستوياتهم العلمية والمعيشية أيضا.
حتى فيما يتعلق بالعلاقة الإنسانية بين المعلّم والطالب، يجب ان تسود هذه العلاقة حالة إنسانية صرفة، بحيث ينظر المعلّم إلى الطالب كما ينظر لابنه، يحتويه، ويرعاه ويتعامل معه كأنه ابنه، سواء من ناحية توصيل المادة العلمية أو من ناحية العلاقة اللفظية والاحترام المتبادَل بينهما. كذلك على الطالب أن ينظر إلى المعلّم كأب، وأن يتعامل معه كما يتعامل مع أبيه، ويعطيه المكانة الكبيرة والاحترام الذي يعطيه لأبيه، وهذا التعامل من شأنه أن يستعيد الثقة المفقودة بين الطرفين ويطورّها وينمّيها ويجعلها الرابط الأهم بين الاثنيْن.
لقد لاحظنا في الأخبار، وفي شاشات التلفاز، وفي مواقع التواصل حالات اصطدام بين المعلّم والطالب، يضطر معه أولياء الأمور للتدخل، مما يتسبب في حالات تشنّج لا يجب أن توجد في المدارس، ولا أن تكون موجودة بين المعلّم والطالب، حالات الاصطدام هذه تخلخل العلاقة بين طرفيّ العملية التربوية التعليمية، ومسألة معالجتها تعود إلى المعلّم نفسه من جهة، وإلى الطالب وذويه (ولي أمره) من جهة أخرى. نطمح أن نحقّق سنة دراسية مختلفة من حيث جودة التعليم، وتحقيق المستوى العالي للطلبة الأعزاء، كما أننا نطمح أن يتحقق الاطمئنان والاستقرار النفسي للمعلم، حتى يعيش حياة مطمئنة ومريحة، وهذان الهدفان (جودة التعليم للطالب/ وجودة الحياة للمعلم)، لا يتحققان إلا من خلال ردم فجوة الثقة بين الطرفين، وهو حل قابل للتحقيق فيما لو سعى المعلّم والطالب إليه بمساعدة المؤسسة التربوية والمؤسسة العائلية للطالب.
