الهدى – متابعات ..
تشهد الحملات الانتخابية في العراق تحولًا نوعيًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي الأداة الأساسية للتواصل بين المرشحين وجمهورهم، بينما تتراجع أهمية اللافتات التقليدية الضخمة التي كانت تملأ الشوارع في الدورات السابقة.
وهذا التحول الرقمي لم يعد خياراً تكتيكياً، بل بات جزءاً أساسياً من طبيعة الحملات الحديثة، إذ يتيح للمرشح الوصول إلى فئات واسعة من الناخبين بسهولة وتقديم برامج انتخابية بطريقة أكثر فاعلية وتفاعلية.
السوشيال ميديا: بوابة الناخب للتفاعل المباشر
ويؤكد عدد من المهتمين أن الاعتماد على المنصات الرقمية أصبح أكثر تأثيراً في تشكيل رأي الناخبين مقارنة باللافتات الورقية.
وترى المواطنة عواطف العايدي، أن هذه المنصات توفر للناخب إمكانية متابعة برامج المرشحين في أي وقت ومن أي مكان، سواء في المنزل أو أثناء التنقل، مع القدرة على التفاعل المباشر من خلال الإعجاب أو التعليق، ما يمنحه شعوراً بالمشاركة الفعلية في العملية الانتخابية.
وفي المقابل، تستهلك اللافتات الورقية أموالاً طائلة وتُشوه المشهد العام للمدينة، وتأثيرها على قناعات الناخبين يكاد يكون محدوداً.
وتضيف العايدي أن المتابعة عبر السوشيال ميديا تساعدها على فهم البرامج الانتخابية بشكل أوضح، ومعرفة مدى قبول الجمهور للأفكار المطروحة، وتسهّل عليها التعبير عن رأيها وملاحظاتها بشكل مباشر، ما يعزز دورها كمواطن مشارك.
الذكاء الاصطناعي يعمق التحول ويستهدف الشباب
ويشير الدكتور عادل عبد الرزاق، الباحث والأكاديمي في جامعة بغداد، إلى أن ظهور منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية قد غيّر بشكل كبير أساليب الإعلان والدعاية الانتخابية في العراق.
فالتفاعلية والمرونة، بحسب عبد الرزاق، التي توفرها هذه المنصات تمنحان المرشحين فرصة لفهم جمهورهم بشكل أفضل، وقياس مدى تأثير حملاتهم على شرائح مختلفة من المجتمع.
وعلى الرغم من أن الاعتماد على العلاقات الاجتماعية والعشائرية والمال السياسي لا يزال قائماً في بعض المناطق، إلا أن المنصات الرقمية أصبحت وسيلة أكثر دقة وفاعلية للوصول إلى الجمهور العريض.
أما الدكتور حسن المولى، أستاذ متخصص بالذكاء الاصطناعي، فيوضح أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الحملات الانتخابية نقلها إلى مستوى جديد من الاحترافية والتحليل الدقيق. فقد باتت الخوارزميات قادرة على تحليل ميول الناخبين وتفاعلاتهم على منصات مثل “فيسبوك، X، إنستغرام” وحتى “تيك توك”، لتحديد الفئات العمرية والمناطق الأكثر استجابة لأنواع معينة من الخطاب السياسي.
وتابع المولى، تسمح هذه الأدوات للمرشحين بتخصيص الرسائل وفق اهتمامات كل فئة، واختيار أفضل الأوقات لنشر المحتوى المؤثر.
ويضيف المولى أن الشباب بين 18 و35 عاماً يشكلون الفئة الأكثر حسمًا للنتائج، لكونهم يعيشون في فضاء رقمي دائم التفاعل، حيث تُبنى الانطباعات والقرارات الانتخابية بشكل يومي، في حين يظل تأثير الوسائل التقليدية محدوداً.
مزايا الكلفة والفعالية والتحدي التشريعي
وتوضح المرشحة صفاء فهداوي، أن الاعتماد على السوشيال ميديا منح حملتها الانتخابية القدرة على التواصل المباشر مع الناخبين، وفهم احتياجاتهم وهمومهم اليومية.
فقد سمح لها هذا التّوجّه بتلقي الملاحظات عبر التعليقات والرسائل الخاصة، ما ساعدها في صياغة برنامج انتخابي يعكس احتياجات الناس بشكل واقعي.
وتشير فهداوي إلى أن الحملات الرقمية أقل كلفة بكثير مقارنة بالحملات التقليدية التي تعتمد على اللافتات المنتشرة في الشوارع، كما أنها تتيح الوصول إلى جمهور أوسع بشكل أسرع وأكثر فاعلية، جاعلة المرشح أقرب إلى الناخب وأفضل في قراءة نبض الشارع.
ومع تزايد هذا الاعتماد، يؤكد الدكتور عبد الرزاق على أن هناك حاجة ماسة لتشريعات جديدة لتنظيم الحملات الرقمية، للحد من انتشار المحتوى التحريضي أو الطائفي، وضمان نزاهة العملية الانتخابية وحماية وعي الناخبين من التضليل.
باختصار، أصبح التحول الرقمي واقعاً ملموساً في العملية الانتخابية العراقية، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي محوراً رئيساً لتوصيل الرسائل الانتخابية والتفاعل مع الجمهور.
وبينما تتراجع أهمية اللافتات التقليدية، تبرز الحملات الرقمية كبديل أكثر فاعلية وأقل كلفة، يعكس تطور أساليب الاتصال ويلبي احتياجات الناخبين الرقميين.
ومع ذلك، تظل الحاجة ملحة لوضع قوانين واضحة تنظم هذه الحملات وتحمي نزاهة العملية الانتخابية، بما يضمن وصول الرسالة السياسية إلى الجمهور بطريقة دقيقة ومؤثرة.
