الهدى – متابعات ..
في خضم التنافس الاجتماعي تقع العديد من نساء العراق فريسة سهلة لمراكز التجميل غير المرخصة التي تَعِدُ بـ”جمال فوري” وتُغري بـ”عروض براقة” لكنها غالبًا ما تنتهي بتشوهات دائمة ومخاطر صحية تهدد النفس والروح.
هذه الظاهرة التي تتفاقم في العاصمة والمحافظات لا تقتصر عواقبها على الجسد فحسب بل تمس مبدأ “حفظ النفس” و”الأمانة” الذي عظمه الشارع الإسلامي وتضع مسؤولية دينية وأخلاقية على عاتق مقدم الخدمة والجهات الرقابية.
ولقد دفعت شابات مثل رنا وزهراء وآمنة الثمن باهظاً بعد أن وثقن بصور رقمية مضللة ومراكز تعمل في الظل لتتحول رحلة البحث عن “الكمال” إلى جرح غائر في الصحة والمال
الجمال المغشوش مقامرة على حافة الحرمة
وتتوزع في أحياء بغداد الهادئة واجهات براقة تحمل أسماء مراكز تجميل فاخرة تستخدم أساليب تسويقية خاطفة مثل “جلسة فورية لتصحيح الأنف دون جراحة” أو “نتائج مضمونة خلال دقائق” لكن خلف هذه الواجهات تُمارس عمليات دقيقة كحقن الفيلر والبوتوكس وجلسات شد الوجه بالخيوط وعلاجات الليزر في أماكن تفتقر لأبسط معايير التعقيم والسلامة وتدار غالبًا بلا طبيب مرخص أو رقابة رسمية
ومن منظور الشريعة الإسلامية فإن فالتجميل الذي يؤدي إلى ضرر محقق أو غالب على الظن هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة كما أن استخدام مواد مجهولة أو منتهية الصلاحية يُعدّ خيانة “للأمانة” الطبية والمهنية وكسبًا للمال بطريق فيه شبهة إن لم يكن محقق الحرمة.
من العرض المغري إلى غرفة الطوارئ
وتُجسد قصص الضحايا هذا التناقض المرير، رنا عبد الكريم، وصلت إلى المستشفى بتورم حاد وصعوبة في التنفس بعد حقن “فيلر” غير طبي في مركز غير مرخص بعد أن غرّها “عرض التغيير الشامل” على وسائل التواصل الأطباء أكدوا أن المادة لم تكن طبية والحقن تم بطريقة خاطئة قرب أحد الأعصاب
زهراء علي، موظفة ثلاثينية فقدت الإحساس بجزء من خدها الأيسر بعد جلسة شد بالخيوط في مركز غير مرخص داخل مجمع سكني تبين لاحقاً أن الخيوط كانت منتهية الصلاحية وغير قابلة للاستعمال البشري مما أدى لانسداد في الشعيرات الدموية وتطلب علاجاً باهظاً
آمنة حسين، معلمة تعرضت لالتهاب جرثومي حاد وتورم في الفك استدعى عملية تنظيف جراحي بسبب استخدام أدوات غير معقمة وخيوط منتهية الصلاحية في شقة تحولت لمركز تجميل مؤكدة أنها شعرت بأنها “ضحية إهمال منظم”
الحِراك الحكومي والرقابة واجب شرعي وقانوني
وأطلقت وزارتا الداخلية والصحة حملة ميدانية واسعة في بغداد أسفرت عن إغلاق عشرات المراكز المخالفة بعد ضبط استخدام مواد مجهولة المصدر وغياب الإشراف الطبي
أكدت ثناء الزيرجاوي، عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية أن المراكز المرخصة لا تتجاوز التسعين مركزاً مشددة على أن العمل خارج الأطر القانونية يعرض المراكز للمساءلة والإغلاق، وهذا الحراك الحكومي يؤكد ان الجهات الرقابية مطالبة شرعاً بحماية أرواح وأموال المواطنين من الغش والضرر.
وفي سياق متصل شدد الدكتور عبد الأمير محسن الشمري، النقيب الأسبق للأطباء على أن النقابات المهنية تمثل خط دفاع لحماية صحة المواطنين، مؤكداً ضرورة وجود طبيب مختص في أي مركز تجميلي وأن أي ممارسة دون إشراف مهني تشكل انتهاكًا للقوانين والتعليمات الطبية، كما أكد على أهمية التوعية المجتمعية للمواطنين للتأكد من ترخيص المركز وهوية الطبيب قبل أي إجراء
الإطار القانوني وحماية حق المتضرر العدل أساس الملك
ويوفر القانون العراقي حماية شاملة للمواطنين المتضررين، حيث بينت المحامية والخبيرة القانونية مروة عبد أن المسؤولية القانونية تختلف حسب مقدم الخدمة.
وأضوحت انه إذا كان مقدم الخدمة طبيباً مرخصاً وافتتح مركزاً دون ترخيص يُعتبر تجاوزاً لحدود المهنة وتطبق عليه القوانين الناظمة لمهنة الطب
وتابعت، أما إذا كان مقدّم الخدمة شخصًا غير طبيب (وهو الغالب في المراكز غير المرخصة) يعتبر القانون الممارسة تجاوزاً صارخًا للاختصاص ويترتب عليها إغلاق المركز والملاحقة الجزائية للعاملين.
وشددت المحامية على أن حق المتضرر لا يتوقف عند العقوبات الجزائية بل يمتد إلى المطالبة بالتعويض المالي والمعنوي عن الأضرار التي لحقت به وهذا يضمن استرداد “الحقوق” المالية والمعنوية التي ضاعت نتيجة الإهمال أو الغش.
وفي الختام فإن هذه الفوضى في قطاع التجميل هي نتاج غياب الوعي والرقابة الفعالة وهي تذكير بضرورة التأكيد على أن الجمال الحقيقي يكمن في سلامة النفس والجسد وليس في صور زائفة قد تؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها.
