في عمر الإنسان القصير ثلاث فترات:
الفترة الأولى: هي التي لا طموح فيها، ولا قدرة على تحقيق الطموح وهي فترة الطفولة حيث تمتلك الطفل روح اللعب واستهلاك الزمن.
الفترة الثانية: هي فترة الطموح والقدرة على تحقيقه، وهي فترة الشباب.
الفترة الثالثة: هي الفترة التي فيها الطموح ولكن من دون القدرة على تحقيقه، وهي فترة الشيخوخة والتي تتميز بأنها فترة الحسرات حيث يرى الإنسان أن قدراته تتضاءل وأن طموحاته بدل أن تتحقق تتبدل إلى خيبات أمل، ولذلك فهو دائماً يتمنى العودة إلى فترة الشباب، ليعوض عما فاته ويحقق ما تمناه.
تبقى فترة الشباب إذن هي الفترة التي يستطيع الفرد تحقيق طموحاته، بما يمتلك من قدرة على التحرك والنشاط إلا أن الكثيرين في هذه الفترة تتجاذبهم أمواج الشهوات يميناً وشمالاً، ويصبحون أسراء لذائذ عابرة، ورغبات سافلة لا تبقي ولا تذر، فلو أن هذه الفترة استُغلت كما يجب لتحققت الطموحات.
و من هنا فإن أكثرية من حقّقوا طموحاتهم، إما حققوها في فترة الشباب، أو بدؤوا بتحقيقها في هذه الفترة.
إن الطريقة الصحيحة لتحديد الأهداف هي أن تطمح للوصول إلى أعلى المراتب مع مراعاة الظروف والإمكانات دون أن تجعل عمرك أو الظروف عائقاً ومثبطاً لك، فمن عادة الحياة أن تمنح كل واحد ما يعتقد أنه سيناله، وكما يقول الإمام علي، عليه السلام: “فإنه ما رام امرو شيئاً إلا وصله، أو ما دونه”.
والسؤال هنا : ما هو تأثير الطموح العالي في بناء الشخصية القوية؟
في الحقيقة إن الطموح يجر الإنسان إلى الأعالي، ويمنعه من السقوط في الوادي، وكما يقول الحديث الشريف: “من كَبُرَتْ هِمَتُهُ كَبُرَ اهْتِمَامُه” (غرر الحِكم) فصاحب الطموح الكبير والهمة العالية يجد نفسه مدفوعاً نحو السعي لتحقيق أهدافه، فمن يرغب في شيء لا بد أن يسعى نحوه، ولذلك فقد قال الإمام علي، عليه السلام: “قَدْرُ الرَّجُل عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ” وَ “الْمَرْء بِهِمَّتِهِ”.
فكلما حمل الإنسان طموحاً أعظم كان دافعه نحو العمل أكبر، ألا ترى أن الرياضيين كلما طمحوا نحو تحقيق أهداف أكبر، والوصول إلى نتائج أعلى، صرفوا الوقت الأكثر في التدريب.
إنّ هذا الطموح في الوقت الذي سيدفع صاحبه نحو العمل كذلك سيدفعه نحو الاهتمام في بناء شخصيته، لما بناء شخصيته من تأثير كبير ومباشر على الحياة وفي تحقيق الأهداف.
لو أن البشرية اكتفت قبل مائتي عام بما عندها، ولم تطمح إلى المزيد، لكنا لا نزال نعيش اليوم في بيوت من الطين ونستخدم الزيت للسراج، وتركب البغال والحمير، ولم يكن أي خبر من المنتجات الحضارية المعاصرة.
إن الطموح كفيل بأن يعطي الناس المغمورين مكانة سامية في الحياة.
كما أنه كفيل بأن يحول الأشياء العادية إلى أشياء ذات قيمة، والعكس بالعكس، فانعدام الطموح يحول الذين لهم مكانة سامية إلى أناس عاديين، ويسلب القيمة من الأشياء الثمينة.
يقول أحد علماء النفس: (إن الفرق بين العباقرة، وغيرهم من الناس العاديين، ليس مرجعه إلى صفة أو موهبة فطرية لدى العباقرة، بل الفرق هو في الموضوعات، والغايات التي يوجهون إليها هممهم، وإلى درجة التركيز التي يسعهم البلوغ إليها).
طبعاً لا ننسى أن هنالك فرقاً بين الهمة العالية وبين أحلام اليقظة، فصاحب الهمة الحقيقية يعمل بجد ونشاط وأما صاحب الأحلام ينام ويسمح الخياله بالطيران، دون أن يتحرك من مكانه.
________
*مقتبس من كتاب: كيف تبني شخصيتك؟
