الأخبار

كارثة المياه تلوح في الأفق؛ وخبراء يدعون لإعلان “الطوارئ المائية”

الهدى – متابعات ..

في ظل تدهور غير مسبوق للوضع المائي في البلاد، ارتفعت الأصوات المطالبة بإعلان حالة “الطوارئ المائية”، محذرة من أن الأزمة الحالية تنذر بكارثة تهدد الأمن القومي العراقي، في وقت دعا فيه خبراء إلى إحالة ملف المياه برمته إلى هيئة النزاهة والادعاء العام للتحقيق في تجاوزات ومخالفات قانونية منحت بموجبها حصص مائية مضاعفة لغير مستحقيها، مما فاقم من الشحّة المائية.

الخبير في إدارة المياه والمدير العام السابق بوزارة الموارد المائية، علي حسين حاجم، الذي يشغل حالياً منصب مستشار طوعي لمحافظ واسط لشؤون المياه، أكد أن خزين المياه في البلاد وصل إلى “عتبة الحرج”، مشيراً إلى أن انخفاض الخزين المائي إلى ما دون الخمسة مليارات متر مكعب، وتدني إجمالي الوارد المائي إلى أقل من 400 متر مكعب في الثانية، بينما يتجاوز المطلق من السدود والخزانات 500 متر مكعب في الثانية، يمثل خطورة بالغة.

وحذر حاجم من أن عدم تساقط الأمطار خلال الشهر القادم سيعرض البلاد لمخاطر العطش والتلوث، خاصة مع ارتفاع مستوى الأملاح الكبريتية في بغداد إلى ما تجاوز 700 جزء بالمليون، وبلوغ الملوثات الملحية في دجلة والفرات بعد سدَّي الكوت والهندية نحو 1000 جزء بالمليون.

وحمّل حاجم وزير الموارد المائية الحالي المسؤولية الأولى عمّا سيحصل من مخاطر، مطالباً بإقالته لعدم قدرته على إدارة الملف بشكل جيد وموافقاته على منح الحصص خلافاً للقانون، ما أدى إلى بلوغ الشحّة المائية أعلى مستوياتها.

كما شدد على ضرورة إحالة ملف المياه إلى الادعاء العام والنزاهة لكثرة المخالفات، ومنها منح حصص مائية خلافاً للضوابط والقوانين المعمول بها.

وفي سياق متصل، حذر النائب رائد المالكي، عقب لقائه وزير الموارد المائية عبد الله ذياب، من “كارثة ومشكلة كبيرة” على صعيد الوضع المائي، عازياً السبب إلى سوء إدارة ملف المياه والإهمال الحكومي وغياب رد الفعل الدبلوماسي تجاه تركيا.

ووصف المالكي الوضع المائي بأنه حرج جداً، وأن السنة الحالية هي الأشد في تاريخ العراق من حيث انخفاض معدل الواردات المائية ومستوى الخزين الداخلي.

وكشف المالكي عن أن نتائج لقاء الوفد العراقي مع الجانب التركي لم تكن جيدة، بل حصل العكس بـ “تقليل الإطلاقات المائية باتجاه العراق”.

وبشأن حجم الواردات والخزين، أوضح النائب أن واردات سد الموصل من تركيا انخفضت إلى 130 متراً مكعباً في الثانية، في حين تبلغ حاجة العراق كحد أدنى مع الترشيد 350 متراً مكعباً في الثانية، مما يعني أن العجز المائي يتجاوز 170 متراً مكعباً يتم تأمينه حالياً بالاستعانة بخزين سد الموصل، منوهاً إلى أن الكمية المطلقة من السد باتجاه بغداد والمحافظات حالياً تبلغ 210 أمتار مكعبة في الثانية وهي أقل من حاجة الزراعة ومياه الشرب.

وفيما يخص نهر الفرات، بلغت وارداته 178 متراً مكعباً في الثانية، في حين أن حاجة العراق تبلغ 300 متر مكعب في الثانية، مما اضطر لتأمين النقص من بحيرة الثرثار بضخ 100 متر مكعب لنهر الفرات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الخزين المائي فيها.

وأشار المالكي إلى أن وزير الموارد امتنع عن التصريح بحجم الخزين المائي في سد الموصل واكتفى بالقول: “إن الرقم صادم”. كما أكد النائب أن الوزارة لم تستلم سوى 33% من تخصيصاتها، ومعظمها رواتب ونفقات تشغيلية، على الرغم من أن رئيس الوزراء وجه وزيرة المالية بإطلاق الصرف للوزارة وإعطائها أولوية.

واختتم المالكي بيانه بدعوة مجلس النواب إلى عقد جلسة خاصة بحضور رئيس الوزراء والوزراء المعنيين والمحافظين.

وفي محاولة لوضع حلول للأزمة، طرح الخبير علي حسين حاجم، جملة من المقترحات أمام وزير الموارد المائية في الحكومة المقبلة، معتبراً أن ملف المياه الداخلي هو “الأخطر والأهم” في المرحلة الحالية، وعليه يتوجب إيقاف العمل بالدراسات الاستراتيجية الموضوعة لمعالجة شحّ المياه لعدم جدواها.

ودعا حاجم إلى تحريك “الملف الخارجي للمياه” وتدويل موضوعه والتعاقد مع مكاتب محاماة عالمية رصينة للمطالبة بحصص العراق المائية في الأنهار المشتركة مع تركيا وإيران.

كما طالب بإقامة دعاوى قضائية على تركيا وإيران لإقامتهما منظومات سدود (الكاب والإيمان) في مناطق معرضة للزلازل وبمواصفات غير رصينة، مشدداً على أن تحريك تلك الدعاوى يكون لدى الأمم المتحدة للمطالبة بتزويد العراق بالمخططات الافتراضية الخاصة بفيضان سدودها لتحديد الأماكن المعرضة للغمر وتحريم استخدامها، والتفاوض مع دولتي المنبع لتعويض العراق عن الأضرار الاقتصادية والديموغرافية الناتجة عن ذلك.

وعلى الصعيد الداخلي، شدد الخبير على ضرورة استدعاء خبراء الري العراقيين المستبعدين للعمل مع الكادر الهندسي الحالي، وتشكيل لجنة وطنية للمياه تكون نواة لمجلس وطني، مهمتها وضع برامج عاجلة للاستفادة من الخزين المتبقي وتمرير المرحلة، ورسم خطط استراتيجية بعيدة المدى، إضافة إلى تشكيل لجنة من خبراء الري لإعادة تقييم الإدارات الحالية في إدارة المياه واعتماد معايير الكفاءة والوصف الوظيفي.

كما أكد على أهمية إعادة تأهيل وصيانة المشاريع الإروائية المستصلحة، وإلغاء كافة الاستثناءات التي فُرضت عليها خلافاً لتصاميمها، وتحديث نظام السقي في الأراضي المستصلحة وتحويله من الغمر إلى نظم ري حديثة، بالإضافة إلى تأهيل مشاريع ري النفع العام القديمة ومكننة نظام السقي فيها، واعتماد نظام الإدارة المائية المتكاملة.

ولمعالجة التحديات المناخية، شدد حاجم على إدخال موضوع الاختلاف المناخي وتغاير درجات الحرارة في موضوع توقيتات الري وبرامج المراشِنات، وإعداد برنامج مكثّف لمعالجة صيانة وتأهيل وتشغيل منظومة الري والبزل الحقلية في الأراضي المستصلحة وتحديد مسؤولية إدارتها وتشديد الرقابة عليها كونها السبب في هدر المياه وإعادة تملّح التربة.

كما دعا إلى التوسع في تشييد سدود الحصاد المائي للاستفادة من الأمطار، مع العمل على تحسين مشاريع الري المتفرعة من شط الغراف التي تحولت إلى مهارب فيضانية وتتسبب في هدر المياه، وضرورة دراسة موضوع الأهوار ومعيشة سكانها ومدى إمكانية إدامتها وتطويرها بعيداً عن السجالات السياسية، وإحالة ملف الأعمال المنفذة فيها إلى النزاهة لوجود شكوك في صرف مزدوج دون جدوى.

وفي الختام، أكد الخبير علي حسين حاجم على أهمية أن تعمل الوزارة المقبلة على استكمال مشروع ري الجزيرة في نينوى ومناطق الري التكميلي فيها وفي كركوك، وإكمال سد بخمة، وإنشاء محطة ضخ عمودية في الثرثار، والعمل على تحلية مياه الشرب لمناطق البصرة ثم ميسان وذي قار والسماوة وفق برنامج زمني، ومكننة نظم الري لبساتين البصرة، وتطوير ومكننة نظم السقي من الآبار.

كما شدد على الاهتمام بجمعيات مستخدمي المياه وتشكيل الوحدات الزراعية على مستوى كل قناة إروائية بالاشتراك بين وزارتي الزراعة والموارد المائية، والاعتماد على بيانات محدثة في توزيعات المياه لضمان العدالة بين المستفيدين.

وشدد على أن كل ما يُعلن عن اتفاقات مع دول الجوار لتحسين واردات العراق المائية “لا وجود له على أرض الواقع”، ما يتوجب على الوزارة الجديدة اللجوء إلى المحاكم الدولية لضمان حق العراق في المياه مع دول المنبع.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا