الهدى – متابعات ..
بجملة واحدة تختصر رحلة الانتقال من العمل الزراعي الميداني التقليدي إلى إدارة الحقول بذكاء فضائي، يقول الشاب محمد الرويشدي: “حين قرّرت أن أراقب الأرض من السماء تغيّر كل شيء“.
هذه الجملة هي مفتاح مشروع “الجبل الزراعي“، الذي أسسه الرويشدي (27 عاماً) لتحويل صور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات الطيفية إلى قرارات تنفيذية دقيقة داخل الحقول، بهدف تقليل الهدر ورفع الإنتاجية للمزارع العراقي.
القفزة النوعية: من الحدس إلى البيانات
ويعرّف محمد الرويشدي، نفسه كواحد من جيل “التقانة الزراعية الدقيقة“، الذي يرى أن الزراعة الحديثة لا تُبنى على التقدير والحدس، بل على تحليل علمي للبيانات.
وقد بدأت رحلة الرويشدي، المقيم في النجف الأشرف والخريج من جامعة الكرخ ببغداد في مجال الاستشعار عن بعد، عندما عمل مع مستثمر يمتلك 1500 دونم ولاحظ أن القرارات الزراعية كانت تُتخذ بالتقدير الشخصي لا بالبيانات.

قرر الرويشدي حينها مراقبة الأرض باستخدام الأقمار الصناعية مجاناً لمدة عام كامل، وكانت النتيجة مذهلة: تم توفير مبالغ كبيرة وارتفع الإنتاج بنحو 30%.
ومن رحم هذه التجربة العملية وُلدت فكرة “الجبل الزراعي” في أواخر عام 2022، حين لاحظ محمد أن غياب البيانات الدقيقة هو السبب وراء كثير من قرارات المزارعين غير المُجدية، ليضع بوصلته بسؤال واحد: “كيف نجعل المزارع يعرف أرضه كما يعرف راحة يده؟“.
ويؤكد الرويشدي، أن هدفه الأول هو خدمة المزارع العراقي بأدوات ذكية مبسّطة. فقوة هذه التقنية تكمن في سرعة ودقة المراقبة المستمرة، حيث يرى أن “الأقمار الصناعية تمنحنا نظرة من السماء تغطّي الحقل كلّه مهما ابتعد.
الزيارات الميدانية وحدها مكلفة وغير دقيقة، خصوصًا في أراضي الصحراء صعبة الوصول. عبر الصور الفضائية نحصل على سرعة في الرصد، ودقّة أعلى، ومراقبة مستمرة“.
فريق متخصص ونتائج عملية مبهرة
ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، فقد خاض الرويشدي تجارب متراكمة منذ عام 2015 في مشاريع متعددة، لكن الأثر الأوضح جاء من الاحتكاك المباشر بالمزارعين، حيث رأى المعاناة اليومية في سوء إدارة الري والاستخدام المفرط للسماد والمبيدات.
ويتألف فريق “الجبل الزراعي” من أربعة أعضاء متخصصين: هناء قاسم التي تدير التسويق وصناعة المحتوى، وحسن حيدر الذي يتولّى إدارة الفريق وتحليل البيانات الفضائية والمتابعة الميدانية، وأكرم الشيباني المختص بتحليل البيانات وإعداد التقارير الزراعية، أما الرويشدي، المؤسس، فيضع الرؤية ويقود التطوير والتوسّع.
وفي مواجهة المشكلات الزراعية، يشرح محمد أن الفريق يعمل على تحليل الطيف الضوئي لسطح التربة والنبات عبر الأقمار الصناعية، وذلك لكشف مؤشّرات الإجهاد والخلل قبل تفاقمها.
ويتسلم العميل تقريراً تحليلياً بصرياً يتضمن خرائط حرارية تُظهر مناطق الضعف والقوة في نمو النبات، مع توصيات دقيقة للسماد والماء. “بمجرد استلام التقرير يستطيع المزارع تعديل الري والتسميد فورًا، فيرفع إنتاجه ويقلّل الكلفة”، بحسب الرويشدي.
ووفقاً لأرقام المشروع، فقد أدت متابعة 20 ألف دونم لمدة عام كامل إلى توفير 600 مليون دينار عراقي كانت تُصرف خطأً على السماد والمبيدات، بالإضافة إلى زيادة بالإنتاجية تتراوح بين 25–30%.
مصادر البيانات وتحدي الإقناع
ويعتمد الفريق على بيانات مفتوحة المصدر من أقمار Sentinel وLandsat، إلى جانب اشتراكات تجارية عالية الدقة.
وللتعامل مع تحدي الغبار والسحب، تُدمج صور متعددة التواريخ وتُطبَّق خوارزميات تصحيح الغلاف الجوي.
ويشدد الرويشدي، على حماية خصوصية المزارع، مؤكداً أن بيانات الحقول تُحفظ على خوادم سحابية مُشفّرة، ولا تُشارك أي معلومة إلا بموافقة خطيّة من مالكها.
وعن تسعير الخدمة، يوضح محمد أن الأسعار مصممة لتبقى في متناول المزارعين، مُضيفاً: “هدفنا بسيط، ما يدفعه المزارع يعود عليه وفّرًا أكبر بعشرة أضعاف”، مشيراً إلى أن تقليل الهدر هو القيمة الأساسية.
أما التحدي الأصعب في البداية فكان “الإقناع“، حيث لم يقتنع الكثيرون بقدرة صور الأقمار الصناعية على تغيير طريقة العمل.
لكنه اختتم حديثه بالقول: “تعلّمت أن النتيجة أقوى من الكلام“، في دلالة على أن النجاحات الميدانية بدأت تجعل من ترددوا في البداية أقرب إلى التجربة.
