الأخبار

ارتفاع الذهب يحوّل الزواج في العراق إلى حلم مؤجل

الهدى – متابعات ..

يكشف الارتفاع الصاروخي في أسعار الذهب عن مفارقة مؤلمة داخل النسيج الاجتماعي العراقي، حيث تتصارع التقاليد الراسخة مع القدرة المالية المتآكلة للأسر.

فبينما تتمسك العائلات بطلبات مهور مرتفعة ومظاهر احتفالية مكلفة يُروج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتراجع الشباب خطوة تلو الأخرى أمام التحديات الاقتصادية، ما ينذر بتغيرات عميقة في بنية الزواج ومكانته الاجتماعية التي لطالما عُدت أساس الاستقرار الأسري.

ومنذ أشهر، يعيش المقبلون على الزواج في حيرة وضغط كبيرين. ومع استمرار ارتفاع الذهب وازدياد المتطلبات الاجتماعية، يظل السؤال مفتوحًا ومؤرقًا: هل يتحول الزواج في العراق إلى مجرد حلم مؤجل؟ وما هو البديل المقنع الذي يمكن للمجتمع أن يتبناه لتدارك خطورة المأزق الذي تسببت به قفزات أسعار الذهب في السوق المحلية، المتأثرة بشكل مباشر بالأسواق العالمية؟.

ولم يعد الإقدام على الزواج في الوقت الراهن بالعراق مجرد خطوة اجتماعية طبيعية، بل تحوّل إلى معادلة معقدة تتنازعها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، جعلت منه مشروعاً محفوفاً بالتحديات شبه المستحيلة.

فقد سجلت أسعار الذهب قفزة غير مسبوقة، إذ بات سعر المثقال يقترب من حاجز المليون دينار عراقي، ما أدخل سوق الصاغة في حالة ركود شبه تام وعزوف متزايد عن الشراء.

صدمة السوق وتأجيل الترتيبات

المواطن حامد جبار، أكد أن تجار الذهب الذين زارهم للحصول على متطلبات زواج ابنه أقروا بأن “الصعود الأخير في أسعار الذهب كان صادمًا ولم يكن بهذا المستوى في أي وقت مضى”، مما جعل الإقبال على الشراء في أدنى مستوياته.

وأشار جبار إلى أن هذا الارتفاع أجبر ابنه وآخرين من الشباب المقبلين على الزواج على “إيقاف ترتيباتهم” بانتظار أي استقرار محتمل للأسعار.

ويضيف جبار أن هذا الارتفاع الجنوني لا يمثل مجرد أزمة في السوق، بل ينعكس مباشرة على بنية المجتمع، حيث ستكون الكثير من الأسر المتوسطة مجبرة على عدم تزويج أبنائها حاليًا.

ويشدد على أن هذا الارتفاع “يثقل كاهل المقبلين على الزواج ويجعل المهر عبئاً يوازي أحيانًا سنوات من العمل”، وهو ما بات يقر به الجميع.

تأخر سن الزواج يهدد الاستقرار الأسري

من ناحية التحليل الاجتماعي، أكد الباحث الاجتماعي هشام عبد الله أن “ارتفاع الذهب حاليًا وبهذه الأرقام الفلكية قد يجعل من تأخر سن الزواج ظاهرة آخذة في التوسع“، وهو ما يهدد بآثار نفسية واجتماعية لاحقة، أبرزها زيادة العزوبة الطويلة والضغوط الفردية على الأسر التي تطمح لتزويج أبنائها.

وأوضح عبد الله أن المجتمع العراقي يعاني منذ مدة طويلة من شحّ الفرص وغياب سياسات التشغيل الفاعلة، لذا من الطبيعي أن يظل كثير من الشباب عاجزين عن توفير أبسط مقومات الزواج.

وهذا الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب، بحسب عبد الله، يسهم بشكل فاعل في تعميق الهوة بين الشباب وتحقيق الاستقرار الأسري.

كما بيّن أن الأهالي يعيشون حالة من الارتباك؛ فبعضهم يحاول مسايرة المظاهر من خلال رفع سقف الطلبات، بينما يعبّر آخرون عن قلق متزايد من عزوف الشباب.

وهذا يضع الأسر أمام معادلة قاسية: إما القبول بمهور ومظاهر مبالغ بها، أو بقاء الأبناء والبنات خارج دائرة الاستقرار.

وأشار الباحث الاجتماعي إلى أن طلبات المهور شهدت تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، متأثرة بـ “مقاطع السوشيال ميديا” التي عززت صورة الزواج الباذخ والاحتفالات الفارهة.

وهذه الحالة، إذا أُضيفت إليها موجة غلاء الذهب الحالية، “تصنع حاجزًا مضاعفًا” يصعب على الشاب غير المتمكن ماديًا تجاوزه، محولة الزواج إلى رفاهية مالية بدلاً من أن يكون خطوة اجتماعية أساسية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا